{فـ} لمَّا بلَّغ عيسى عليه السلام رسالة ربه إلى قومه، ووازره من الحواريين من وازره {آمَنَتْ} واهتدت {طَائِفَةٌ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ} ؛ أي: جماعة منهم بما جاءهم به؛ أي: آمنوا بعيسى وأطاعوه فيما أمرهم به من نصرة الدين {وَكَفَرَتْ} ؛ أي: ضلت {طَائِفَةٌ} أخرى، وجحدوا به، وقاتلوه. وهم الذين أضلهم بولس. وذلك أنه لما رفع عيسى إلى السماء .. تفرق قومه ثلاث فرق:
فرقة تقول: كان عيسى هو الله، فارتفع.
وفرقة تقول: كان ابن الله، فرفعه إليه.
وفرقة تقول: كان عبد الله ورسوله، فرفعه إليه. فاقتتلوا، وظهرت الفرقتان الكافرتان على الفرقة المؤمنة حتى بعث الله محمدًا - صلى الله عليه وسلم -، فظهرت الفرقة المؤمنة على الفرقة الكافرة. فذلك قوله تعالى: {فَأَيَّدْنَا الَّذِينَ آمَنُوا} ؛ أي: قوينا مؤمني قومه بالحجة، أو بالسيف {عَلَى عَدُوِّهِمْ} ؛ أي: على الذين كفروا، وهو الظاهر، فإيراد العدو إعلام منه أن الكافرين عدو للمؤمنين عداوة دينية. {فَأَصْبَحُوا} ؛ أي: فصار الذين آمنوا {ظَاهِرِينَ} ؛ أي: غالبين عليهم عالين، من قولهم: ظهرت على الحائط، علوته. وقال قتادة: فأصبحوا ظاهرين بالحجة والبرهان كما سبق؛ لأنهم قالوا فيما روي: ألستم تعلمون أن عيسى عليه السلام كان ينام، والله تعالى لا ينام، وأنه يأكل ويشرب، والله منزه عن ذلك.
وقيل المعنى: فأيدنا الآن المسلمين على الفرقتين الضالتين جميعًا.
والمعنى: أي فنصرنا المؤمنين على من عاداهم، وأمددناهم بروح من عندنا على مقتضى سنتنا. {وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ} فغلبوا أعداءهم، وظهروا عليهم، كما قال: {إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آمَنُوا في الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} .
وعبارة"الخطيب"هنا: أي صاروا بعدما كانوا فيه من الذلّ ظاهرين، أي: غالبين قاهرين في أقوالهم وأفعالهم، لا يخافون أحدًا، ولا يستخفون منه. انتهى انتهى {حدائق الروح والريحان. 29/ 260 - 268} ...