قال القرطبي: بالغ المسلمون في سد الذريعة في قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، فأعلوا حيطان تربته ، وسدوا الداخل إليها ، وجعلوها محدقة بقبره ، ثم خافوا أن يتخذ موضع قبره قبلة إذ كان مستقبل المصلين ، فتتصور إليه الصلاة بصورة العبادة ، فبنوا جدارين من ركني القبر الشماليين ، وحرفوهما حتى التقيا على زاوية مثلث من ناحية الشمال ، حتى لا يتمكن أحد من استقبال قبره . ولهذا المعنى قالت عائشة: ( ولولا ذلك لأبرز قبره ) "انتهى."
"فتح الباري"لابن رجب (2/442-443)
وقد ذكر القاضي عياض رحمه الله أن هذا الحديث كان دليل الإمام مالك رحمه الله على كراهة أن يقول المسلم: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم . خشية أن يكون هذا الكلام من اتخاذ القبر وثنا يعبد .
يقول القاضي عياض رحمه الله:
"الأَوْلى عندي أن منعَه وكراهة مالك له - قول: زرت قبر النبي صلى الله عليه وسلم - لإضافته إلى قبر النبي صلى الله عليه وسلم ، وأنه لو قال: زرنا النبي صلى الله عليه وسلم لم يكرهه ، لقوله صلى الله عليه وسلم: ( اللهم لا تجعل قبري وثنا يعبد بعدى ، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ) "انتهى.
"الشفا" (2/84)
وفي"البيان والتحصيل"لابن رشد (18/444-445) :
"سئل مالك رحمه الله تعالى عن الغريب يأتي قبر النبي كل يوم ، فقال: ما هذا من الأمر ، وذكر حديث: ( اللهم لا تجعل قبري وثنًا يُعبد ) "
قال ابن رشد: فيُكره أن يُكثر المرور به ، والسلام عليه ، والإتيان كل يوم إليه لئلا يُجعل القبر بفعله ذلك كالمسجد الذي يؤتى كل يوم للصلاة فيه ، وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك بقوله: ( اللهم لا تجعل قبري وثنًا ) "انتهى."
وسئل القاضي عياض عن أناس من أهل المدينة يقفون على القبر في اليوم مرة أو أكثر ، ويسلمون ويدعون ساعة ، فقال: