فهرس الكتاب

الصفحة 387 من 609

تفسير غريب القرآن، ص: 391

-قال القرطبي: لقد أحسن مالك في مقالته وأصاب في تأويله. فمن نقص واحدا منهم أو طعن عليه في روايته فقد ردّ على اللّه ربّ العالمين، وأبطل شرائع المسلمين؛ قال اللّه تعالى: مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ الآية. وقال: لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ إلى غير ذلك من الآي التي تضمنت الثناء عليهم، والشهادة لهم بالصدق والفلاح؛ قال اللّه تعالى: رِجالٌ صَدَقُوا ما عاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ. وقال: لِلْفُقَراءِ الْمُهاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيارِهِمْ وَأَمْوالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانًا- إلى قوله- أُولئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ، ثم قال عزّ من قائل: وَالَّذِينَ تَبَوَّؤُا الدَّارَ وَالْإِيمانَ مِنْ قَبْلِهِمْ - إلى قوله- فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ. وهذا كله مع علمه تبارك وتعالى بحالهم ومآل أمرهم، وقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم» وقال: «لا تسبّوا أصحابي فلو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا لم يدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» خرجهما البخاري. وفي حديث آخر: «فلو أن أحدكم أنفق ما في الأرض لم يدرك مدّ أحدهم ولا نصيفه» . قال أبو عبيد: معناه لم يدرك مدّ أحدهم إذا تصدق به ولا نصف المد؛ فالنصيف هو النصف هنا. وكذلك يقال للعشر عشير؛ وللخمس خميس؛ وللتسع تسيع، وللثّمن ثمين، وللسّبع سبيع، وللسّدس سديس؛ وللرّبع ربيع. ولم تقل العرب للثلث ثليث. وفي البزّار عن جابر مرفوعا صحيحا: «إن اللّه اختار أصحابي على العالمين سوى النبيّين والمرسلين واختار لي من أصحابي أربعة- يعني أبا بكر وعمر وعثمان وعليا- فجعلهم أصحابي» . وقال: «في أصحابي كلّهم خير» ، وروى عويم بن ساعدة قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم: «إن اللّه عزّ وجل اختارني واختار لي أصحابي فجعل لي منهم وزراء وأختانا وأصهارا فمن سبّهم فعليه لعنة اللّه والملائكة والناس أجمعين ولا يقبل اللّه منه يوم القيامة صرفا ولا عدلا» . والأحاديث بهذا المعنى كثيرة، فحذار من الوقوع في أحد منهم، كما فعل من طعن في الدين فقال: إن المعوّذتين ليستا من القرآن، وما صحّ حديث عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في تثبيتهما ودخولهما في جملة التنزيل إلا عن عقبة بن عامر، وعقبة بن عامر ضعيف لم يوافقه غيره عليها، فروايته مطّرحة. وهذا ردّ لما ذكرناه من الكتاب والسنة، وإبطال لما نقلته لنا الصحابة من الملّة. فإن عقبة بن عامر بن عيسى الجهني ممن روى لنا الشريعة في الصحيحين البخاري ومسلم وغيرهما، فهو ممن مدحهم اللّه ووصفهم وأثنى عليهم ووعدهم مغفرة وأجرا عظيما. فمن نسبه أو واحدا من الصحابة إلى كذب فهو خارج عن الشريعة، مبطل للقرآن طاعن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم. ومتى ألحق واحد منهم تكذيبا فقد سبّ؛ لأنه لا عار ولا عيب بعد الكفر باللّه أعظم من الكذب، وقد لعن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم من سبّ أصحابه؛ فالمكذّب لأصغرهم- ولا صغير فيهم- داخل في لعنة-

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت