المسلمون وجوه الأرض، سعيا وعملا، وأن يأخذوا بكلّ ما يمكّن لهم منها، ويقيم لهم فيها المقام الكريم، وألا يقصروا جهدهم على جانب منها، أو في ميدان من ميادينها، بل ينبغى أن يكون لهم في كل ميدان مجال، وفى كل موقع عمل ..
وفى الدعوة إلى الانتشار في الأرض بعد الاجتماع بين يدى الله في الصلاة- في هذا جمع بين العبادة والعمل، وبين ذكر الله والسعى في الأرض .. فقد جاءت الدعوة من الله سبحانه لصلاة الجمعة، موجهة إلى من هم مشغولون بالعمل، ساعون لطلب الرزق، وإن كانت الدعوة عامة إلى كل من تجب عليه صلاة الجمعة .. ثم جاء الأمر إلى هؤلاء الذين حضروا الصلاة- أن ينتشروا في الأرض، ويبتغوا من فضل الله، بعد أن تزودوا بهذا الزاد الطيب من ذكر الله، وبذلك يستقيم لهم الطريق، وتفتح لهم أبواب الرزق الطيب المبارك.
وفى قوله تعالى: «وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيراً لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ» - إشارة إلى هؤلاء المنطلقين للعمل، الساعين إلى الابتغاء من فضل الله، أن يذكروا الله دائما، وأن يستحضروا جلاله وعظمته، في كل حال، لا في وقت الصلاة .. ففى ذلك فلاح أي فلاح، حيث يجد الذاكر لله سبحانه وتعالى، حارسا يحرسه من وساوس الشيطان، وأهواء النفس، فلا يتعثر، ولا ينحرف، ولا يزلّ. [1]
فإذا أدى المسلم الصلاة فليسعَ في الكسب وطلب الرزق مع مداومته على ذكر الله في جميع أحواله وتصرفاته في طلب الرزق وغيره.
وهذا هو التوازن الذي يتسم به المنهج الإسلامي. التوازن بين مقتضيات الحياة في الأرض، من عمل وكد ونشاط وكسب. وبين عزلة الروح فترة عن هذا الجو وانقطاع القلب وتجرده للذكر. وهي ضرورة لحياة القلب لا يصلح بدونها للاتصال والتلقي والنهوض بتكاليف الأمانة الكبرى. وذكر الله لا بد منه في أثناء ابتغاء المعاش، والشعور بالله فيه هو الذي يحول نشاط المعاش إلى عبادة. ولكنه - مع هذا - لا بد من فترة للذكر الخالص، والانقطاع الكامل، والتجرد الممحض. كما توحي هاتان الآيتان.
(1) - التفسير القرآني للقرآن (14/ 952)