رَبِّهِ. وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقى»! ولقد أسرف من أعرض عن ذكر ربه. أسرف فألقى بالهدى من بين يديه وهو أنفس ثراء وذخر، وأسرف في انفاق بصره في غير ما خلق له فلم يبصر من آيات الله شيئا. فلا جرم يعيش معيشة ضنكا! ويحشر في يوم القيامة أعمى! اتساق في التعبير. واتساق في التصوير .. هبوط من الجنة وشقاء وضلال، يقابله عودة إلى الجنة ونجوة من الشقاء والضلال. وفسحة في الحياة يقابلها الضنك، وهداية يقابلها العمى .. [1]
وقد أخرج ابن جرير عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: تَضَمَّنَ اللَّهُ لِمَنْ قَرَأَ الْقُرْآنَ، وَاتَّبَعَ مَا فِيهِ أَنْ لَا يَضِلَّ فِي الدُّنْيَا وَلَا يَشْقَى فِي الْآخِرَةِ، ثُمَّ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [طه:123] [2] .
ـــــــــ
من مزايا الشريعة الإسلامية موافقتها للفطرة، فهي لا تتعارض مع الفطرة السليمة، ما دام أن الإنسان باق على أصل فطرته ولم تتغير فطرته ولم تنحرف، وأما إذا تغيرت فطرته بسبب المؤثرات المحيطة به ففي هذه الحالة يعارض بعقله الفاسد الشريعة ويخالفها وينفر منها، وقد قال تعالى: {فَمَا لَهُمْ عَنِ التَّذْكِرَةِ مُعْرِضِينَ (49) كَأَنَّهُمْ حُمُرٌ مُسْتَنْفِرَةٌ (50) فَرَّتْ مِنْ قَسْوَرَةٍ (51) بَلْ يُرِيدُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُؤْتَى صُحُفًا مُنَشَّرَةً (52) كَلَّا بَلْ لَا يَخَافُونَ الْآخِرَةَ (53) } [المدثر:49 - 53]
فَمَا لِهَؤُلاَءِ المُشْرِكِينَ مُعْرِضِينَ عَنِ القُرْآنِ الذِي يُذَكِّرُهُم الرَّسُولُ بِهِ، وَيَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ؟
كَأَنَّهُمْ، فِي نِفَارِهِمْ وَإِعْرَاضِهِمْ عَنِ الحَقِّ، حُمُرُ وَحْشٍ تَفِرُ نَافِرَةً. تَفِرُّ مِنْ أَسَدٍ يُرِيدُ صَيْدَهَا.
وَقَدْ بَلَغَ بِهِم العِنَادُ حَدّاً لاَ تَنْفَعُ مَعَهُ التِّذْكِرَةُ، إِذْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ يُرِيدُ أَنْ يَنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابٌ مَفْتُوحٌ مِنَ السَّمَاءِ، مُوَجَّهٌ إِلَيْهِ، يُخْبِرُهُ اللهُ فِيهِ أَنَّ مُحَمَّداً صَادِقٌ فِي رِسَالَتِهِ إِلَيْهِمْ.
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:3058)
(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (16/ 191) صحيح