لا يجوز في الإسلام قتل نساء الكفار المحاربين أو أطفالهم أو شيوخهم قصدا، وكذا لا يجوز قتل الزمن أوالأعمى أوالمعتوه أو الراهب الذي يعتزل أهل دينه في صومعته، ولا يعينهم على المسلمين، ولذا فلا يعرف بفضل الله تعالى في تاريخ المسلمين المجاهدين، وفي الفتوحات الإسلامية أن ارتكبت إبادات جماعية في حق نساء الكفار المحاربين وأطفالهم وشيوخهم، وأما الصليبيون واليهود فتاريخهم مليء بالجرائم والإبادات الجماعية إلى وقتنا هذا، كما في أفغانستان والبوسنة وكوسوفا وفلسطين والشيشان والعراق وسورية وغيرها، وقد قال تعالى: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190]
هذه الآيات، تتضمن الأمر بالقتال في سبيل الله، وهذا كان بعد الهجرة إلى المدينة، لما قوي المسلمون للقتال، أمرهم الله به، بعد ما كانوا مأمورين بكف أيديهم، وفي تخصيص القتال {فِي سَبِيلِ اللَّهِ} حث على الإخلاص، ونهي عن الاقتتال في الفتن بين المسلمين.
{الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ} أي: الذين هم مستعدون لقتالكم، وهم المكلفون الرجال، غير الشيوخ الذين لا رأي لهم ولا قتال. والنهي عن الاعتداء، يشمل أنواع الاعتداء كلها، من قتل من لا يقاتل، من النساء، والمجانين والأطفال، والرهبان ونحوهم والتمثيل بالقتلى، وقتل الحيوانات، وقطع الأشجار [ونحوها] ،لغير مصلحة تعود للمسلمين. ومن الاعتداء، مقاتلة من تقبل منهم الجزية إذا بذلوها، فإن ذلك لا يجوز. [1]
وعَنْ يَحْيَى بْنِ يَحْيَى الْغَسَّانِيِّ، قَالَ"كَتَبْتُ إِلَى عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ، أَسْأَلُهُ عَنْ قَوْلِهِ: {وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190] قَالَ: فَكَتَبَ إِلَيَّ أَنَّ ذَلِكَ فِي النِّسَاءِ، وَالذُّرِّيَّةِ وَمَنْ لَمْ يَنْصُبْ لَكَ الْحَرْبَ مِنْهُمْ" [2]
وقال الإمام ابن كثير رحمه الله"وَقَوْلُهُ: {وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} أَيْ: قَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تَعْتَدُوا فِي ذَلِكَ وَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ ارْتِكَابُ الْمَنَاهِي -كَمَا قَالَهُ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ -مِنَ المَثُلة، والغُلُول، وَقَتْلِ النِّسَاءِ وَالصِّبْيَانِ وَالشُّيُوخِ الَّذِينَ لَا رَأْيَ لَهُمْ وَلَا قِتَالَ فِيهِمْ، وَالرُّهْبَانِ"
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:89)
(2) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (3/ 290) حسن