فهرس الكتاب
وقاضي المظالم يجب أن يتصف بالشروط الواجب توفرها في القضاة ويتصف أيضا بالقوة والهيبة التي لا بد منها في مثل هذا النوع من القضاء لتعلقه بمحاكمة الولاة ورفع ظلمهم عن الناس، ومنع عسفهم بالرعية وعزل من يستحق العزل منهم.
ويتصفح قاضي المظالم أحوال الولاة، ويتابع أعمالهم، وينظر في سيرتهم، فيقوي من عدل منهم، ويقوم من أساء منهم، ويرد الغصوب إلى أهلها سواء كان الغاصب من الولاة أو غيرهم، وينفذ قاضي المظالم ما عجز القضاة عن تنفيذه، ويزيل المنكر الذي عجز المحتسبون عن رفعه، ويسمع دعاوى الناس في نقص أرزاقهم أو تأخرها وغيرها من القضايا.
ينبغي للقاضي أن يشاور أهل العلم حتى يصل إلى الحق في القضايا، التي يحكم فيها، وعلى الحكومة توفير المستشارين العلماء الذين يمكن للقضاة التشاور معهم، وكذلك ينبغي توفير مستشارين للقضاة في الأمور الهندسية والإدارية والطبية وغيرها، مما يساعد القضاة على معرفة الواقع، وتصور القضايا التي يقضون فيها، عَنِ صَالِحٍ يَعْنِي ابْنَ حَيٍّ قَالَ: قَالَ الشَّعْبِيُّ:"مَنْ سَرَّهُ أَنْ يَأْخُذَ بِالْوَثِيقَةِ مِنَ الْقَضَاءِ فَلْيَأْخُذْ بِقَضَاءِ عُمَرَ فَإِنَّهُ كَانَ يَسْتَشِيرُ"رواه البيهقي في السنن الكبرى [1] .
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:" (قَالَ الشَّافِعِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى -) :أُحِبُّ لِلْقَاضِي أَنْ يُشَاوِرَ وَلَا يُشَاوِرَ فِي أَمْرِهِ إلَّا عَالِمًا بِكِتَابٍ وَسُنَّةٍ وَآثَارٍ وَأَقَاوِيلِ النَّاسِ وَعَاقِلًا يَعْرِفُ الْقِيَاسَ وَلَا يُحَرِّفُ الْكَلَامَ وَوُجُوهَهُ وَلَا يَكُونُ هَذَا فِي رَجُلٍ حَتَّى يَكُونَ عَالِمًا بِلِسَانِ الْعَرَبِ وَلَا يُشَاوِرُهُ إذَا كَانَ هَذَا مُجْتَمِعًا فِيهِ حَتَّى يَكُونَ مَأْمُونًا فِي دِينِهِ لَا يَقْصِدُ إلَّا قَصْدَ الْحَقِّ عِنْدَهُ وَلَا يَقْبَلُ مِمَّنْ كَانَ هَكَذَا عِنْدَهُ شَيْئًا أَشَارَ بِهِ عَلَيْهِ عَلَى حَالٍ حَتَّى يُخْبِرَهُ أَنَّهُ أَشَارَ بِهِ مِنْ خَبَرٍ يَلْزَمُ وَذَلِكَ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ أَوْ إجْمَاعٌ أَوْ مِنْ قِيَاسٍ عَلَى أَحَدِهِمَا وَلَا يَقْبَلُ مِنْهُ وَإِنْ قَالَ هَذَا لَهُ حَتَّى يَعْقِلَ مِنْهُ مَا يَعْقِلُ فَيَقِفَهُ عَلَيْهِ فَيَعْرِفَ مِنْهُ مَعْرِفَتَهُ وَلَا يَقْبَلَهُ مِنْهُ وَإِنْ عَرَفَهُ هَكَذَا حَتَّى يَسْأَلَ هَلْ لَهُ وَجْهٌ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الَّذِي قَالَ؟ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَجْهٌ يَحْتَمِلُ غَيْرَ الَّذِي قَالَ أَوْ كَانَتْ سُنَّةٌ فَلَمْ"
(1) - السنن الكبرى للبيهقي (10/ 187) (20305) صحيح