فهرس الكتاب
التَّكَالِيفُ الاِعْتِقَادِيَّةُ فِي الإِْسْلاَمِ مُيَسَّرٌ تَعَقُّلُهَا وَفَهْمُهَا، يَشْتَرِكُ فِي فَهْمِهَا الْجُمْهُورُ، مَنْ كَانَ مِنْهُمْ ثَاقِبَ الْفَهْمِ وَمَنْ كَانَ بَلِيدًا، وَلَوْ كَانَتْ مِمَّا لاَ يُدْرِكُهُ إِلاَّ الْخَوَاصُّ لَمَا كَانَتِ الشَّرِيعَةُ عَامَّةً؛ وَلِذَلِكَ كَانَتِ الْمَعَانِي الْمَطْلُوبُ عِلْمُهَا وَاعْتِقَادُهَا سَهْلَةَ الْمَأْخَذِ. فَعَرَّفَتِ الشَّرِيعَةُ الأُْمُورَ الإِْلَهِيَّةَ بِمَا يَسَعُ الْجُمْهُورَ فَهْمُهُ، وَحَضَّتْ عَلَى النَّظَرِ فِي الْمَخْلُوقَاتِ، وَالسَّيْرِ فِي الأَْرْضِ، وَالاِعْتِبَارِ بِآثَارِ الأُْمَمِ السَّالِفَةِ، وَأَحَالَتْ فِيمَا يَقَعُ فِيهِ الاِشْتِبَاهُ مِنَ الأُْمُورِ الإِْلَهِيَّةِ إِلَى قَاعِدَةٍ عَامَّةٍ: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} ،وَسَكَتَتْ عَنْ أَشْيَاءَ لاَ تَهْتَدِي الْعُقُول إِلَيْهَا.
وَمِمَّا يَدُل عَلَى ذَلِكَ أَيْضًا أَنَّ الصَّحَابَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ لَمْ يَبْلُغْنَا عَنْهُمْ مِنَ الْخَوْضِ فِي هَذِهِ الأُْمُورِ مَا يَكُونُ أَصْلاً لِلْبَاحِثِينَ، وَالْمُتَكَلَّفِينَ، كَمَا
لَمْ يَأْتِ ذَلِكَ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - وَكَذَلِكَ التَّابِعُونَ الْمُقْتَدَى بِهِمْ لَمْ يَكُونُوا إِلاَّ عَلَى مَا كَانَ عَلَيْهِ الصَّحَابَةُ. وَثَبَتَ النَّهْيُ عَنْ كَثْرَةِ السُّؤَال، وَعَنْ تَكَلُّفِ مَا لاَ يَعْنِي، عَامًّا فِي الاِعْتِقَادِيَّات وَالْعَمَلِيَّاتِ.
رَاعَى الشَّارِعُ الْحَكِيمُ أُمَيَّةَ الْمَدْعُوِّينَ وَتَنَوُّعَ أَحْوَالِهِمْ فِي الْفَهْمِ، فَجَعَل الأَْحْكَامَ الْعَمَلِيَّةَ مِمَّا يَسْهُل تَعَقُّلُهَا وَتَعَلُّمُهَا وَفَهْمُهَا، فَمِنْ ذَلِكَ أَنَّهُ كَلَّفَهُمْ بِجَلاَئِل الأَْعْمَال الْعِبَادِيَّةِ، وَقَرَّبَ الْمَنَاطَ فِيهَا بِحَيْثُ يُدْرِكُهَا الْجُمْهُورُ، وَجَعَلَهُ ظَاهِرًا مُنْضَبِطًا، كَتَعْرِيفِ أَوْقَاتِ الصَّلاَةِ بِالظِّلاَل وَطُلُوعِ الْفَجْرِ، وَزَوَال الشَّمْسِ، وَغُرُوبِهَا، وَغُرُوبِ الشَّفَقِ، وَكَذَلِكَ فِي الصِّيَامِ فِي قَوْله تَعَالَى: {وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَْبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَْسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ} .وَلَمْ يُطَالِبْنَا بِجَعْل ذَلِكَ مُرْتَبِطًا بِحِسَابِ مَسِيرِ الشَّمْسِ وَالْقَمَرِ فِي الْمَنَازِل؛ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنَ الدِّقَّةِ وَالْخَفَاءِ.
وَلاَ يَعْنِي ذَلِكَ خُلُوُّ الشَّرِيعَةِ مِمَّا يَسْتَقِل الْخَاصَّةُ بِإِدْرَاكِهِ، وَهِيَ الأُْمُورُ الاِجْتِهَادِيَّةُ، الَّتِي تَخْفَى عَلَى الْجُمْهُورِ، غَيْرَ أَنَّ عَامَّةَ الأَْحْكَامِ الَّتِي يَحْتَاجُهَا الْمُكَلَّفُ، وَتَقُومُ مَقَامَ الأُْسُسِ مِنَ الدِّينِ، ظَاهِرَةٌ لاَ تَخْفَى عَلَى الْجُمْهُورِ، وَمَا سِوَى ذَلِكَ يَحْتَاجُ فِي تَطَلُّبِهِ إِلَى بَذْل جَهْدٍ، إِلاَّ أَنَّهُ يَتَيَسَّرُ لأَِهْل الْعِلْمِ الْوُصُول إِلَيْهِ بِاتِّبَاعِ مَا بَيَّنَتْهُ الشَّرِيعَةُ مِنْ طُرُقِ الاِجْتِهَادِ.
النَّوْعُ الثَّانِي: يُسْرُ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ:
يُسْرُ الأَْحْكَامِ الشَّرْعِيَّةِ الْعَمَلِيَّةِ يَتَشَعَّبُ فِيهِ النَّظَرُ شُعْبَتَيْنِ: