يشترط فيمن يتولى القضاء أن يكون فقيها مجتهدا عالما بالكتاب والسنة، عدلا تقيا مكلفا ذكرا، فعَنْ عَمْرِو بْنِ العَاصِ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: «إِذَا حَكَمَ الحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَصَابَ فَلَهُ أَجْرَانِ، وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ ثُمَّ أَخْطَأَ فَلَهُ أَجْرٌ» متفق عليه [1]
وهو يدل على أن القاضي لابد له من الاجتهاد والنظر في الأدلة وأقوال أهل العلم، وترجيح القول الذي دل عليه الدليل من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي، وقد قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا} [النساء:59]
(1) - صحيح البخاري (9/ 108) (7352)
[ش (إذا حكم الحاكم فاجتهد) قال العلماء أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم فإن أصاب فله أجران أجر باجتهاده وأجر بإصابته وإن أخطأ فله أجر اجتهاده وفي الحديث محذوف تقديره إذا أراد الحاكم فاجتهد قالوا فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم فإن حكم فلا أجر له بل هو إثم ولا ينفذ حكمه سواء وافق الحق أم لا لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي فهو عاص في جميع أحكامه سواء وافق الصواب أم لا وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك]
إِذَا حَكَمَ الْحَاكِمُ فَاجْتَهَدَ) عَطَفَ عَلَى الشَّرْطِ عَلَى تَأْوِيلِ: أَرَادَ الْحُكْمَ (فَأَصَابَ) عَطْفٌ عَلَى (فَاجْتَهَدَ) وَفِي نُسْخَةٍ صَحِيحَةٍ بِالْوَاوِ؛ أَيْ: وَقَعَ اجْتِهَادُهُ مُوَافِقًا لِحُكْمِ اللَّهِ (فَلَهُ أَجْرَانِ) ؛أَيْ أَجْرُ الِاجْتِهَادِ وَأَجْرُ الْإِصَابَةِ وَالْجُمْلَةُ جَزَاءُ الشَّرْطِ (وَإِذَا حَكَمَ فَاجْتَهَدَ فَأَخْطَأَ) وَفِي نُسْخَةٍ وَأَخْطَأَ (فَلَهُ أَجْرٌ وَاحِدٌ) قَالَ الْخَطَّابِيُّ: إِنَّمَا يُؤْجَرُ الْمُخْطِئُ عَلَى اجْتِهَادِهِ فِي طَلَبِ الْحَقِّ؛ لِأَنَّ اجْتِهَادَهُ عِبَادَةٌ؛ وَلَا يُؤْجَرُ عَلَى الْخَطَأِ، بَلْ يُوضَعُ عَنْهُ الْإِثْمُ فَقَطْ، وَهَذَا فِيمَنْ كَانَ جَامِعًا لِآلَةِ الِاجْتِهَادِ، عَارِفًا بِالْأُصُولِ، عَالِمًا بِوُجُوهِ الْقِيَاسِ، فَأَمَّا مَنْ لَمْ يَكُنْ مَحَلًا لِلْاجْتِهَادِ فَهُوَ مُتَكَلِّفٌ وَلَا يُعْذَرُ بِالْخَطَأِ بَلْ يُخَافُ عَلَيْهِ الْوِزْرُ وَيَدُلُّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ:" «الْقُضَاةُ ثَلَاثَةٌ وَاحِدٌ فِي الْجَنَّةِ وَاثْنَانِ فِي النَّارِ» "وَهَذَا إِنَّمَا هُوَ فِي الْفُرُوعِ الْمُحْتَمِلَةِ لِلْوُجُوهِ الْمُخْتَلِفَةِ دُونَ الْأُصُولِ؛ الَّتِي هِيَ أَرْكَانُ الشَّرِيعَةِ وَأُمَّهَاتِ الْأَحْكَامِ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ الْوُجُوهَ وَلَا مَدْخَلَ فِيهَا لِلتَّأْوِيلِ؛ فَإِنَّ مَنْ أَخْطَأَ فِيهَا كَانَ غَيْرَ مَعْذُورٍ فِي الْخَطَأِ، وَكَانَ حُكْمُهُ فِي ذَلِكَ مَرْدُودًا، قَالَ النَّوَوِيُّ: اخْتَلَفُوا فِي أَنَّ كُلَّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ؛ أَمِ الْمُصِيبُ وَاحِدٌ، وَهُوَ مَنْ وَافَقَ الْحُكْمَ الَّذِي عِنْدَ اللَّهِ، وَالْآخَرُ مُخْطِئٌ، وَالْأَصْلُ عِنْدَ الشَّافِعِيِّ وَأَصْحَابِهِ الثَّانِي؛ لِأَنَّهُ سُمِّيَ مُخْطِئًا وَلَوْ كَانَ مُصِيبًا لَمْ يُسَمَّ مُخْطِئًا؛ وَهُوَ مَحْمُولٌ عَلَى مَنْ أَخْطَأَ النَّصَّ، أَوِ اجْتَهَدَ فِيمَا لَا يُسَوَّغُ فِيهِ الِاجْتِهَادُ، وَمَنْ ذَهَبَ إِلَى الْأَوَّلِ قَالَ: قَدْ جُعِلَ لِلْمُخْطِئِ أَجْرٌ، وَلَوْلَا إِصَابَتُهُ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَجْرٌ، وَهَذَا إِذَا كَانَ أَهْلًا لِلْاجْتِهَادِ، وَأَمَّا مَنْ لَيْسَ بِأَهْلِ حُكْمٍ؛ فَلَا يَحِلُّ لَهُ الْحُكْمُ، وَلَا يَنْفُذُ سَوَاءٌ وَافَقَ الْحُكْمَ أَمْ لَا؛ لِأَنَّ إِصَابَتَهُ اتِّفَاقِيَّةٌ، فَهُوَ عَاصٍ فِي جَمِيعِ أَحْكَامِهِ اهـ. وَمَذْهَبُ أَبِي حَنِيفَةَ فِيمَا لَا يُوجَدُ بَيَانُهُ فِي النُّصُوصِ مِنَ الْكِتَابِ وَالسُّنَّةِ وَالْإِجْمَاعِ؛ فَلَا إِمْكَانَ لَهُ إِلَّا الْقِيَاسُ؛ فَيَكُونُ كَمُتَحَرِّي الْقِبْلَةَ فَإِنَّهُ مُصِيبٌ وَإِنْ أَخْطَأَ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2425)