قال الإمام النووي رحمه الله"وَأَمَّا قَوْلُهُ (لَيْسَ مِنْ كَدِّكَ) فَالْكَدُّ التَّعَبُ وَالْمَشَقَّةُ وَالْمُرَادُ هُنَا أَنَّ هَذَا الْمَالَ الَّذِي عِنْدَكَ لَيْسَ هُوَ مِنْ كَسْبِكَ وَمِمَّا تَعِبْتَ فِيهِ وَلَحِقَتْكَ الشِّدَّةُ وَالْمَشَقَّةُ فِي كَدِّهِ وَتَحْصِيلِهِ ولاهو مِنْ كَدِّ أَبِيكَ وَأُمِّكَ فَوَرِثْتَهُ مِنْهُمَا بَلْ هو مال المسلمين فشاركهم فيه ولاتختص عَنْهُمْ بِشَيْءٍ بَلْ أَشْبِعْهُمْ مِنْهُ وَهُمْ فِي رِحَالِهِمْ أَيْ مَنَازِلِهِمْ كَمَا تَشْبَعُ مِنْهُ فِي الجنس والقدر والصفة ولاتؤخر أرزاقهم عنهم ولاتحوجهم يَطْلُبُونَهَا مِنْكَ بَلْ أَوْصِلْهَا إِلَيْهِمْ وَهُمْ فِي مَنَازِلِهِمْ بِلَا طَلَبٍ وَأَمَّا قَوْلُهُ (وَإِيَّاكُمْ وَالتَّنَعُّمَ وزى العجم) فهوبكسر الزَّايِ وَلَبُوسُ الْحَرِيرِ هُوَ بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّ الْبَاءِ مَا يَلْبَسُ مِنْهُ وَمَقْصُودُ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ حَثُّهُمْ عَلَى خُشُونَةِ الْعَيْشِ وصلابتهم فِي ذَلِكَ وَمُحَافَظَتِهِمْ عَلَى طَرِيقَةِ الْعَرَبِ فِي ذَلِكَ" [1]
الناس تبع لأئمتهم، فإذا صلحوا وتورعوا عن أكل المال العام بغير حق، فإن الكثير من الناس سوف يقتدون بهم ويتعلمون من ورعهم، ويكفون عن أخذ المال بغير حق، عَنِ الْحَسَنِ، قَالَ: قَالَ عُمَرُ: الرَّعِيَّةُ مُؤَدِّيَةٌ إِلَى الإِمَامِ مَا أَدَّى الإِمَامُ إِلَى اللهِ، فَإِذَا رَتَعَ رَتَعُوا. أخرجه ابن أبي شيبة [2] .
وقد جاء عن عمر رضي الله عنه أنه أنزل نفسه من مال المسلمين منزلة ولي اليتيم إذا استغنى استعفف، وإذا احتاج اقترض من مال المسلمين، وإذا أيسر رد القرض، والرد هو أحد القولين في قوله تعالى: {وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلَا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء:6]
(1) - شرح النووي على مسلم (14/ 46)
(2) - مصنف ابن أبي شيبة -دار القبلة (19/ 140) (35590) صحيح مرسل