فهرس الكتاب

الصفحة 696 من 1902

وقَالَ سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ فِي قَوْلِهِ: {وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ} [آل عمران:159] قَالَ: «هِيَ لِلْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَتَشَاوَرُوا فِيمَا لَمْ يَأْتِهِمْ عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فِيهِ أَثَرٌ» قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ: وَأَوْلَى الْأَقْوَالِ بِالصَّوَابِ فِي ذَلِكَ أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ أَمَرَ نَبِيَّهُ - صلى الله عليه وسلم - بِمُشَاوَرَةِ أَصْحَابِهِ، فِيمَا حَزَّ بِهِ مِنْ أَمْرِ عَدُوِّهِ وَمَكَايِدِ حَرْبِهِ، تَأَلُّفًا مِنْهُ بِذَلِكَ مَنْ لَمْ تَكُنْ بَصِيرَتُهُ بِالْإِسْلَامِ الْبَصَيْرَةَ الَّتِي يُؤْمِنُ عَلَيْهِ مَعَهَا فِتْنَةُ الشَّيْطَانِ، وَتَعْرِيفًا مِنْهُ أُمَّتَهُ مَا فِي الْأُمُورِ الَّتِي تَحْزُبُهُمْ مِنْ بَعْدِهِ وَمَطْلَبَهَا، لِيَقْتَدُوا بِهِ فِي ذَلِكَ عِنْدَ النَّوَازِلِ الَّتِي تَنْزِلُ بِهِمْ، فَيَتَشَاوَرُوا فِيمَا بَيْنَهُمْ، كَمَا كَانُوا يَرَوْنَهُ فِي حَيَاتِهِ - صلى الله عليه وسلم - يَفْعَلُهُ، فَأَمَّا النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم -،فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ يُعَرِّفُهُ مَطَالِبَ وُجُوهِ مَا حَزَبَهُ مِنَ الْأُمُورِ بِوَحْيِهِ أَوْ إِلْهَامِهِ إِيَّاهُ صَوَابَ ذَلِكَ. وَأَمَّا أُمَّتُهُ، فَإِنَّهُمْ إِذَا تَشَاوَرُوا مُسْتَنِّينَ بِفِعْلِهِ فِي ذَلِكَ عَلَى تَصَادُقٍ وَتَأخٍّ لِلْحَقِّ وَإِرَادَةِ جَمِيعِهِمْ لِلصَّوَابِ، مِنْ غَيْرِ مَيْلٍ إِلَى هَوًى، وَلَا حَيْدٍ عَنْ هُدًى؛ فَاللَّهُ مُسَدِّدُهُمْ وَمُوَفِّقُهُمْ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} [آل عمران:159] فَإِنَّهُ يَعْنِي: فَإِذَا صَحَّ عَزْمُكَ بِتَثْبِيتِنَا إِيَّاكَ وَتَسْدِيدِنَا لَكَ فِيمَا نَابَكَ وَحَزَبَكَ مِنْ أَمْرِ دِينِكَ وَدُنْيَاكَ، فَامْضِ لِمَا أَمَرْنَاكَ بِهِ عَلَى مَا أَ‍مَرْنَاكَ بِهِ، وَافَقَ ذَلِكَ آرَاءَ أَصْحَابِكَ وَمَا أَشَارُوا بِهِ عَلَيْكَ أَوْ خَالَفَهَا، وَتَوَكَّلْ فِيمَا تَأْتِي مِنْ أُمُورِكَ وَتَدَعُ وَتُحَاوِلُ أَوْ تُزَاوِلُ عَلَى رَبِّكَ، فَثِقْ بِهِ فِي كُلِّ ذَلِكَ، وَارْضَ بِقَضَائِهِ فِي جَمِيعِهِ دُونَ آرَاءِ سَائِرِ خَلْقِهِ وَمَعُونَتِهِمْ، فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ، وَهُمُ الرَّاضُونَ بِقَضَائِهِ، وَالْمُسْتَسْلِمُونَ لِحُكْمِهِ فِيهِمْ، وَافَقَ ذَلِكَ مِنْهُمْ هَوًى أَوْ خَالَفَهُ

وعَنِ ابْنِ إِسْحَاقَ: {فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ} [آل عمران:159] "فَإِذَا عَزَمْتَ: أَيْ عَلَى أَمْرٍ جَاءَكَ مِنِّي، أَوْ أَمْرٍ مِنْ دِينِكِ فِي جِهَادِ عَدُوِّكَ، لَا يُصْلِحُكَ وَلَا يُصْلِحُهُمْ إِلَّا ذَلِكَ، فَامْضِ عَلَى مَا أُمِرْتَ بِهِ عَلَى خِلَافِ مَنْ خَالَفَكَ، وَمُوَافَقَةِ مَنْ وَافَقَكَ، وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ: أَيِ ارْضَ بِهِ مِنَ الْعِبَادِ، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ" [1]

الشورى المعلمة والشورى الملزمة:

لا ريب أن هناك تسليماً تاماً بأهمية الشورى ومحوريتها في النظام السياسي الإسلامي، لكن تختلف آراء الفقهاء والمفكرين الإسلاميين حول ما يتبع الرأي الشورى من نتائج أي مدى إعلامية تلك النتائج وإلزاميتها للحاكم أو بمعنى آخر: هل يجوز للحاكم أن يستمع إلى آراء

(1) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (6/ 190)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت