فهرس الكتاب
بل القصة تدلُّ على وجوب الرجوع لرأي الأمة ولرأي الأكثرين وليس إلى رأيه، فأين هذا الحاكم الذي سوف يشبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه في صفاته وفي اجتهاده؟؟!!!
بل القول بعدم إلزامية الشورى وبعدم إلزام الحاكم برأي الأكثرية هو تبرير للاستبداد والدفاع عنه، وهو مناف للإسلام بيقين.""
تشرع الشورى في القضاء وفي الفتوى في جميع شؤون الحياة للتوصل إلى الحكم الشرعي إذا لم يتبين للإمام الحكم من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو القياس الجلي المستوفي للشروط، وكذلك يتشاور الإمام مع أهل الشورى في أمور الحرب والسلم والهدنة، وفي الأموال العامة وصرفها، وفي تولية الأمراء والقضاة وغيرهم، وفي النوازل الطارئة، وفي تنظيم الدولة وإدارتها، وتشرع الشورى في مراقبة أعمال الإمام والولاة والقضاة وغيرهم ومحاسبتهم، وكذلك في تعيين الإمام العام، قال العلامة السعدي رحمه الله في قوله تعالى {وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ} " {وَأَمْرُهُمْ} الديني والدنيوي {شُورَى بَيْنَهُمْ} أي: لا يستبد أحد منهم برأيه في أمر من الأمور المشتركة بينهم، وهذا لا يكون إلا فرعا عن اجتماعهم وتوالفهم وتواددهم وتحاببهم وكمال عقولهم، أنهم إذا أرادوا أمرا من الأمور التي تحتاج إلى إعمال الفكر والرأي فيها، اجتمعوا لها وتشاوروا وبحثوا فيها، حتى إذا تبينت لهم المصلحة، انتهزوها وبادروها، وذلك كالرأي في الغزو والجهاد، وتولية الموظفين لإمارة أو قضاء، أو غيره، وكالبحث في المسائل الدينية عموما، فإنها من الأمور المشتركة، والبحث فيها لبيان الصواب مما يحبه الله، وهو داخل في هذه الآية." [1]
ومن الأدلة والأمثلة على الشورى في الجهاد والسلم والهدنة أن النبي - صلى الله عليه وسلم - شاور الصحابة في يوم بدر، فعَنْ أَنَسٍ، أَنَّ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - شَاوَرَ حِينَ بَلَغَهُ إِقْبَالُ أَبِي سُفْيَانَ، قَالَ: فَتَكَلَّمَ أَبُو بَكْرٍ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، ثُمَّ تَكَلَّمَ عُمَرُ، فَأَعْرَضَ عَنْهُ، فَقَامَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ، فَقَالَ: إِيَّانَا تُرِيدُ يَا رَسُولَ اللهِ؟ وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ، لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نُخِيضَهَا الْبَحْرَ لَأَخَضْنَاهَا، وَلَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَضْرِبَ أَكْبَادَهَا إِلَى بَرْكِ
(1) - تفسير السعدي = تيسير الكريم الرحمن (ص:760)