فهرس الكتاب

الصفحة 802 من 1902

"قلت: هذا الكلام غير سائغ فهل صلاحه يجعله معصوماً، بل يجب أن يلتزم برأي الأكثرية لأنه الأقرب للصواب، بل هو الذي يدلُّ على صلاحه، وأما عدم أخذه برأي الأكثرية ما هو إلا نسف للشورى من جذورها، والانتهاء إلى الاستبداد، وهو نفس المنطق الفرعوني كما قال تعالى لقومه: {قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ} [غافر:29] "

وأما إذا لم يبتَّ الأمير في موضوع الاجتهاد برأيه [1] مما للرأي والنظر في تقدير المصلحة فيه مجال ورأى الترجيح بالأغلبية فله ذلك، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله عند شرح حديث رجوع عمر رضي الله عنه عن دخول الشام بسبب الطاعون وفِيهِ التَّرجِيح بِالأَكثَرِ عَدَدًا والأَكثَر تَجرِبَة لِرُجُوعِ عُمَر لِقَولِ مَشيَخَة قُرَيش مَعَ ما انضَمَّ إِلَيهِم مِمَّن وافَقَ رَأيهم مِنَ المُهاجِرِينَ والأَنصار، فَإِنَّ مَجمُوع ذَلِكَ أَكثَر مِن عَدَد مَن خالَفَهُ مِن كُلّ مِنَ المُهاجِرِينَ والأَنصار، ووازَنَ ما عِند الَّذِينَ خالَفُوا ذَلِكَ مِن مَزِيد فِي العِلم والدِّين ما عِند المَشيَخَة مِنَ السِّنّ والتَّجارِب، فَلَمّا تَعادَلُوا مِن هَذِهِ الحَيثِيَّة رُجِّحَ بِالكَثرَةِ ووافَقَ اجتِهاده النَّصّ، فَلِذَلِكَ حَمِدَ الله تَعالَى عَلَى تَوفِيقه لِذَلِكَ. وفِيهِ تَفَقُّد الإِمام أَحوال رَعِيَّته لِما فِيهِ مِن إِزالَة ظُلم المَظلُوم وكَشف كُربَة المَكرُوب ورَدع أَهل الفَساد وإِظهار الشَّرائِع والشَّعائِر وتَنزِيل النّاس مَنازِلهم." [2] "

قلت: هذه الرواية حجة على من قال بعدم الأخذ برأي الغالبية، فعمر رضي الله عنه كان مسددا وملهما ومحدثاً، فلماذا لم يأخذ برأيه وينتهي الأمر حتى يصح الاستدلال بهذه القصة؟

(1) - قلت: هذا الافتراض بالحاكم أنه مجتهد يستطيع استنباط الأحكام الشرعية بنفسه هو قول غير واقعي أصلاً، والذين بلغوا درجة الاجتهاد المطلق قلة قليلة بكل التاريخ الإسلامي، فكيف نفترض أمرا عديم الوقوع ونرتب عليه أحكاماً شرعية خطيرة، وهو أنه إمام مجتهد ولا يجوز له أن يقلد أحداً غير ما أداه إليه اجتهاده؟ فهذا افتراض غير صحيح، وغير موجود هذا الخليفة الوهمي، ومن ثم يجب إغلاق الكلام في هذا الموضوع الوهمي غير الموجود أصلاً، والرجوع لرأي الأمة هو الأساس في هذا الموضوع أولا وأخيراً ..

وإذا فتحنا هذا الباب فكل حاكم سوف يزعم أنه مجتهد مطلق وقد بلغ مرتبة الاجتهاد المطلق، وسوف يشهد له كل علماء البلاط كما شهدوا لفرعون من قبل، وسد ذرائع الفساد المترتب على هذا الخلل الكبير مقدم على جلب المصالح الموهومة، وسوف يغلق على الحاكم الاستبداد بالرأي والحكم نهائياً ....

(2) - فتح الباري شرح صحيح البخاري- ط دار المعرفة (10/ 190)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت