فهرس الكتاب
بأن الحكم في الإسلام للصفوة وأن العامة لا شأن لها بأمور الحكم وأن الشورى الإسلامية تبحث عن الحكمة والرشد عند أهل الذكر بدليل قوله تعالى (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ) وقوله تعالى (فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيراً) فذلك مردود عليه بأنه لا شأن لتلك الآيات بالعامة فالسؤال لأهل الذكر فيما يخصهم لا يتعارض مع استشارة العامة في الأمور التي تخصهم، وأما أن العامة جاهلة فكيف تستشار؟ والرد أولاً أن هذه الكثرة لا بد أن تتعلم وهذه مسؤولية المتعلمين ووسائل الإعلام وثانياً أن العامة عندها العلم الضروري بأمور معيشتها فهي تفرق بين الخير والشر وتعرف ما فيه صلاحها، فاشتراك الشعب في أمور الحكم وتجاربه في الخطأ والصواب هو خير وسيلة لتعليم أي شعب جاهل كما هو المدعى [1]
وقد نص عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الأخذ برأي الأكثرية إذا اختلف الستة الذين جعل الشورى بينهم بعد وفاته وإن تساووا فُضِّل الجانب الذي يوافق رأيه رأي عبدالرحمن بن عوف، وكان ذلك إشارة من عمر رضي الله عنه أن عبد الرحمن بن عوف أمير القوم في هذه الشورى كما روى ابن سعد عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ قَالَ: قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ لأَصْحَابِ الشُّورَى: تَشَاوَرُوا فِي أَمْرِكُمْ فَإِنْ كَانَ اثْنَانِ وَاثْنَانِ فَارْجِعُوا فِي الشُّورَى. وَإِنْ كَانَ أَرْبَعَةٌ وَاثْنَانِ فَخُذُوا صِنْفَ الأَكْثَرِ.
وفي رواية عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ عَنْ أَبِيهِ عَنْ عُمَرَ قَالَ: وَإِنِ اجْتَمَعَ رَأْيُ ثَلاثَةٍ وَثَلاثَةٍ فَاتَّبَعُوا صِنْفَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَوْفٍ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا. [2]
قال المؤلف رحمه الله:"والحاكم إذا كان ظالما مستبدا فلن يشاور أحدا، وإذا شاور فلن يرجع لشرع الله تعالى عند الاختلاف، ومن باب أولى أن لا يلتزم بقول الأغلبية، وأما إذا كان الحاكم عادلا يشاور أهل العلم والصلاح فلا وجه لإلزامه بالأغلبية، وهو يقبل الحق ويرجع إلى شرع الله في كل صغير وكبير، سواء خالفه رجل واحد من أهل الشورى أو أغلبيتهم."
(1) - انظر إلزام الشورى ومبدأ الأكثرية في الإسلام للدكتور عبدالحميد الأنصاري ص 32 - 38 بتصرف يسير. و الشورى في الشريعة الإسلامية (ص:231)
(2) - الطبقات الكبرى ط العلمية (3/ 45) من طريق الواقدي والشورى في الشريعة الإسلامية (ص:237)