فهرس الكتاب
فِي إعْلَامِهِمْ بِأَنَّ آرَاءَهُمْ غَيْرُ مَقْبُولَةٍ وَلَا مَعْمُولٌ عَلَيْهَا. فَهَذَا تَأْوِيلٌ سَاقِطٌ لَا مَعْنَى لَهُ، فَكَيْفَ يَسُوغُ تَأْوِيلُ مَنْ تَأَوَّلَهُ لِتَقْتَدِي بِهِ الْأُمَّةُ مَعَ عِلْمِ الْأُمَّةِ عِنْدَ هَذَا الْقَائِلِ بِأَنَّ هَذِهِ الْمَشُورَةَ لَمْ تُفِدْ شَيْئًا وَلَمْ يُعْمَلْ فِيهَا بِشَيْءٍ أَشَارُوا بِهِ فَإِنْ كَانَ عَلَى الْأُمَّةِ الِاقْتِدَاءُ بِهِ فِيهَا فَوَاجِبٌ عَلَى الْأُمَّةِ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ تَشَاوُرُهُمْ فِيمَا بَيْنَهُمْ عَلَى هَذَا السَّبِيلِ وَأَنْ لَا تُنْتِجَ الْمَشُورَةُ رَأْيًا صَحِيحًا وَلَا قَوْلًا مَعْمُولًا; لِأَنَّ مُشَاوَرَتَهُمْ عِنْدَ الْقَائِلِينَ بِهَذِهِ الْمَقَالَةِ كَانَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ، فَإِنْ كَانَتْ مَشُورَةُ الْأُمَّةِ فِيمَا بَيْنَهَا تُنْتِجُ رَأْيًا صَرِيحًا وَقَوْلًا مَعْمُولًا عَلَيْهِ فَلَيْسَ فِي ذَلِكَ اقْتِدَاءٌ بِالصَّحَابَةِ عِنْدَ مُشَاوَرَةِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إيَّاهُمْ، وَإِذْ قَدْ بَطَلَ هَذَا فَلَا بُدَّ مِنْ أَنْ تَكُونَ لِمُشَاوَرَتِهِ إيَّاهُمْ فَائِدَةٌ تُسْتَفَادُ بِهَا وَأَنْ يَكُونَ لِلنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - مَعَهُمْ طَرِيقٌ مِنْ الِارْتِئَاءِ وَالِاجْتِهَادِ) [1] ،وأما القول بأن الفائدة هي في ظهور الرأي الصواب والمظنون في الخليفة أن يأخذ به، فيرد بأن ما أدرانا أن الخليفة غير الملتزم بالأكثرية إذا أخذ بغير الأكثرية أنه قد أخذ بالصواب، والسؤال هنا من الذي يقرر أن هذا صواب أم خطأ؟ وهل الخليفة الفرد أم الجماعة؟ كما أن مبدأ المساواة الذي أكده الإسلام يجعل الخليفة واحداً من قادة المسلمين لا يختلف في ميزان الحق عنهم ما دامت صفات العلم والإخلاص والتقوى متساوية وما دام الناس في مثل هذه الحالات لا يستطيعون الجزم بأن هذا أفضل عند الله من ذاك، ولو كان الأمير غير ملزم برأي الأغلبية لكان هذا مدعاة لإلغاء رأي الأمة وإتلافاً لإجماعها وهي (أي الأمة) معصومة من الخطأ كما تقرر في الأصول، والأمير غير معصوم من الخطأ فكيف يحكم غير المعصوم على المعصوم، وإذا كان الرسول - صلى الله عليه وسلم - وهو المعصوم قد سمح للصحابة رضي الله عنهم بإبداء آرائهم المخالفة لرأيه وأخذ برأيهم وترك رأيه لهم امتثالاً للأمر بالمشورة والالتزام بها، ومع ذلك لم يأت القرآن بتخطئته إذا أخذ بالأغلبية , [2] بل أكد دوام المشاورة ودوام الالتزام فكيف يطلب منا ألا نخالف رأياً لإمام أو حاكم وهو غير معصوم، فلكي نسلم بوجهة النظر هذه لا بد من افتراض العصمة في الأئمة والحكام وأنهم دائماً على صواب، ولكن مبدأ العصمة لغير الأنبياء والرسل غير مسلم به ابتداءً لدينا، أما القول
(1) - أحكام القرآن للجصاص ط العلمية (2/ 52)
(2) - المقصود بأخذ الرسول - صلى الله عليه وسلم - برأي الأغلبية في الخروج لملاقاة المشركين في غزوة أحد وقد نزل قول الحق بعد ذلك (وشاورهم في الأمر) .