فهرس الكتاب
أَهْلَكَ الْأُمَمَ قَبْلَهُمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يُظْهِرَ عَلَيْهِمْ عَدُوًّا مِنْ غَيْرِهِمْ فَأَعْطَانِيهَا، وَسَأَلْتُهُ أَنْ لَا يَلْبِسَهُمْ شِيَعًا وَلَا يُذِيقَ بَعْضَهُمْ بَأْسَ بَعْضٍ فَمَنَعَنِيهَا» [1]
فالله يسدد دائماً خطى الجماعة ويوجهها إلى الرأي السديد، من هذا يتضح أن الشورى ملزمة وأن هذا ما عنته الآية الكريمة (وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ) وليس العكس كما صوروه أو هو دال على الأخذ برأي الأكثرية فقد روي عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: سُئل رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ العَزْم؟ قَالَ"مُشَاوَرَةُ أهْلِ الرَّأْي ثُمَّ اتِّبَاعُهُمْ" [2] ،فكأن الآية تقول دم على استشارة أصحابك ودم على أخذ رأيهم ولا تكونن هذه النتيجة الخاطئة (هزيمة المؤمنين في أحد) مانعة لك من الأخذ بالشورى ورأي الغالبية مستقبلاً, ونحن لو فرضنا جدلاً أنه ليس في الشريعة الإسلامية ما يقرر بأن الأخذ بحكم الأكثرية واجب فإنه ليس هناك أيضاً ما يحرم ذلك في الشريعة، لذا نرى أنه من باب المصالح المرسلة أن نأخذ بمبدإ الأغلبية، وبيان ذلك أنه في إلزام الحاكم برأي الأغلبية منافع عظيمة للأمة، إذ أنه يحول بين الحاكم وبين الاستبداد، ويجعل للرأي مكانة ومنزلة ولجمهور الشورى منزلتهم ومكانتهم ويعصم من الآراء الفردية المرتجلة التي قد تدمر الأمة بأسرها، فإن وجوب الشورى على الأمة الإسلامية يقتضي التزام رأي الأكثرية، والواقع أن الشورى لن يكون لها معنى إذا لم يؤخذ برأي الأكثرية وأما أن يستمع ولي الأمر لآراء جميع أهل الشورى ثم يختار ما يراه هو بنفسه بحرية تامة فإن الشورى تفقد معناها وقيمتها، وإذا قيل: إن الشورى للاستنارة وظهور الرأي والصواب واحترام أهل الرأي والعلم وتطييب النفوس وتأليف القلوب، فإننا نجيب بأن هذه المعاني هي من نتائج الشورى الملزمة، أما الشورى غير الملزمة فلا تحقق هذه المعاني وذلك كما يقول الجصاص (وَغَيْرُ جَائِزٍ أَنْ يَكُونَ الْأَمْرُ بِالْمُشَاوَرَةِ عَلَى جِهَةِ تَطْيِيبِ نُفُوسِهِمْ وَرَفْعِ أَقْدَارِهِمْ وَلِتَقْتَدِيَ الْأُمَّةُ بِهِ فِي مِثْلِهِ; لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ مَعْلُومًا عِنْدَهُمْ أَنَّهُمْ إذَا اسْتَفْرَغُوا مَجْهُودَهُمْ فِي اسْتِنْبَاطِ مَا شُووِرُوا فِيهِ وَصَوَابِ الرَّأْيِ فِيمَا سُئِلُوا عَنْهُ، ثُمَّ لَمْ يَكُنْ ذَلِكَ مَعْمُولًا عَلَيْهِ وَلَا مُتَلَقَّى مِنْهُ بِالْقَبُولِ بِوَجْهٍ، لَمْ يَكُنْ فِي ذَلِكَ تَطْيِيبُ نُفُوسِهِمْ وَلَا رَفْعٌ لِأَقْدَارِهِمْ بَلْ فِيهِ إيحَاشُهُمْ
(1) - المعجم الكبير للطبراني (2/ 280) (2171) ومسند أحمد ط الرسالة (45/ 200) (27224) صحيح لغيره
(2) - تفسير ابن كثير ت سلامة (2/ 150)