فهرس الكتاب
والتعقيب على الأمر بأداء الأمانات إلى أهلها والحكم بين الناس بالعدل هو التذكير بأنه من وعظ الله - سبحانه - وتوجيهه. ونعم ما يعظ الله به ويوجه: «إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُمْ بِهِ» ..
ونقف لحظة أمام التعبير من ناحية أسلوب الأداء فيه. فالأصل في تركيب الجملة: إنه نعم ما يعظكم الله به .. ولكن التعبير يقدم لفظ الجلالة، فيجعله «اسم إن» ويجعل نعم ما «نعما» ومتعلقاتها، في مكان «خبر إن» بعد حذف الخبر .. ذلك ليوحي بشدة الصلة بين الله - سبحانه - وهذا الذي يعظهم به ..
ثم إنها لم تكن «عظة» إنما كانت «أمرا» .. ولكن التعبير يسميه عظة. لأن العظة أبلغ إلى القلب، وأسرع إلى الوجدان، وأقرب إلى التنفيذ المنبعث عن التطوع والرغبة والحياء! ثم يجيء التعقيب الأخير في الآية يعلق الأمر بالله ومراقبته وخشيته ورجائه: «إِنَّ اللَّهَ كانَ سَمِيعاً بَصِيراً» ..
والتناسق بين المأمور به من التكاليف وهو أداء الأمانات والحكم بالعدل بين الناس وبين كون الله سبحانه «سميعا بصيرا» مناسبة واضحة ولطيفة معا .. فالله يسمع ويبصر، قضايا العدل وقضايا الأمانة. والعدل كذلك في حاجة إلى الاستماع البصير وإلى حسن التقدير، وإلى مراعاة الملابسات والظواهر، وإلى التعمق فيما وراء الملابسات والظواهر. وأخيرا فإن الأمر بهما يصدر عن السميع البصير بكل الأمور. [1]
تحقيق الأمن في البلاد، وبسط نفوذ الدولة، وسيطرتها على جميع أطراف البلاد لمنع المفسدين والمعتدين من ترويع الآمنين، والاعتداء عليهم، حتى ينعم الناس بنعمة الأمن في مساكنهم، وأعمالهم، وأسفارهم، فإن الأمن من نعم الله على العباد، كما قال تعالى: {فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ (3) الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ (4) } [قريش:3،4]
فَلْيَعْبُدُوا اللهَ رَبَّ هَذَا البَيْتِ الذِي جَعَلَ لَهُمْ حَرَماً آمِناً، فَهُوَ الذِي مَنَّ عَلَيْهِمْ بِالأَمْنِ، فِي الحَل وَالتِّرْحَالِ، وَهُوَ الذِي جَعَلَهُمْ، بِسَبَبِ ذَلِكَ، فِي مَرْكَزٍ تِجَاريٍّ هَامٍّ، وَلْيَشْكُرُوهُ عَلَى منَنِهِ
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:1031)