فهرس الكتاب
إِنَّ العِزَّةَ للهِ وَحْدَهُ، فَهُوَ ذُو الجَلاَلِ والعِزَّةِ، ثُمَّ تَكُونُ العِزَّةُ مِنْ بِعْدِهِ لِرَسُولِهِ الكَرِيمِ - صلى الله عليه وسلم -،ثُمَّ لِلْمُؤْمِنِينَ الذِينَ يَسْتَغِزُّونَ بِعِزِّ اللهِ، وَبِنَصْرِهِ، فَهُمْ أَعِزَةٌ بِذَلِكَ، وَلَكِنَّ المُنَافِقِينَ لاَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَيَظُنُّونَ أَنَّ العِزَّةَ بِوَفْرَةِ المَالِ وَكَثْرَةِ النَّاصِرِ. [1]
وعَنْ طَارِقِ بْنِ شِهَابٍ، قَالَ: خَرَجَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ إِلَى الشَّامِ وَمَعَنَا أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ فَأَتَوْا عَلَى مَخَاضَةٍ وَعُمَرُ عَلَى نَاقَةٍ لَهُ فَنَزَلَ عَنْهَا وَخَلَعَ خُفَّيْهِ فَوَضَعَهُمَا عَلَى عَاتِقِهِ، وَأَخَذَ بِزِمَامِ نَاقَتِهِ فَخَاضَ بِهَا الْمَخَاضَةَ، فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ: يَا أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْتَ تَفْعَلُ هَذَا، تَخْلَعُ خُفَّيْكَ وَتَضَعُهُمَا عَلَى عَاتِقِكَ، وَتَأْخُذُ بِزِمَامِ نَاقَتِكَ، وَتَخُوضُ بِهَا الْمَخَاضَةَ؟ مَا يَسُرُّنِي أَنَّ أَهْلَ الْبَلَدِ اسْتَشْرَفُوكَ، فَقَالَ عُمَرُ: «أَوَّهْ لَمْ يَقُلْ ذَا غَيْرُكَ أَبَا عُبَيْدَةَ جَعَلْتُهُ نَكَالًا لَأُمَّةِ مُحَمَّدٍ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّا كُنَّا أَذَلَّ قَوْمٍ فَأَعَزَّنَا اللَّهُ بِالْإِسْلَامِ فَمَهْمَا نَطْلُبُ الْعِزَّةَ بِغَيْرِ مَا أَعَزَّنَا اللَّهُ بِهِ أَذَلَّنَا اللَّهُ» . أخرجه الحاكم [2] .
وللحكومة الإسلامية مع قيامها بعقيدة الولاء والبراء أن تصالح بعض الدول إذا اقتضت ذلك المصلحة الشرعية، وتعقد معها صفقات تجارية، وتحسن إلى الكفار الذين لم يقاتلوا المسلمين، ولم يخرجوهم من ديارهم، كما تخاطب الكفار غير المحاربين وتجادلهم بالتي هي أحسن، وتلين في مخاطبتهم ودعوتهم حتى تبلغ لهم الرسالة وتبين لهم الحق.
من المعلوم من الدين بالضرورة أن التحاكم إلى غير شرع الله من الكفر والشرك بالله تعالى كما قال تعالى: {وَلَا يُشْرِكُ فِي حُكْمِهِ أَحَدًا} [الكهف:26] ،فمن تحاكم إلى الهيئات الدولية كهيئة الأمم المتحدة، ودخل في عضويتها، وتحاكم إلى قوانينها ومحاكمها فقد تحاكم إلى الطاغوت وَمِنْ أَصْرَحِ الْأَدِلَّةِ فِي هَذَا: أَنَّ اللَّهَ جَلَّ وَعَلَا فِي «سُورَةِ النِّسَاءِ» بَيَّنَ أَنَّ مَنْ يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحَاكَمُوا إِلَى غَيْرِ مَا شَرَعَهُ اللَّهُ يَتَعَجَّبُ مِنْ زَعْمِهِمْ أَنَّهُمْ مُؤْمِنُونَ، وَمَا ذَلِكَ إِلَّا لِأَنَّ دَعْوَاهُمُ الْإِيمَانَ مَعَ إِرَادَةِ التَّحَاكُمِ إِلَى الطَّاغُوتِ بَالِغَةٌ مِنَ الْكَذِبِ مَا يَحْصُلُ مِنْهُ الْعَجَبُ ;
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:5074،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - المستدرك على الصحيحين للحاكم (1/ 130) (207) صحيح