فهرس الكتاب
قَدْرِ عُقُولِهِمْ وَيَهْدِيَهُمْ إِلَى الْحَقِّ عَلَى حَسَبِ فَهْمِهِمْ، وَوَجَدَهَا تَعْتَقِدُ أَنَّ الْمُسْتَحِقَّ لِلْعُبُودِيَّةِ إِلَهٌ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ مِنَ السَّمَاءِ إِلَى الْأَرْضِ لَا الْآلِهَةُ الَّتِي يَعْبُدُهَا الْمُشْرِكُونَ قَنِعَ مِنْهَا بِذَلِكَ، وَلَمْ يُكَلِّفْهَا اعْتِقَادَ مَا هُوَ صَرْفُ التَّوْحِيدِ حَقِيقَةُ التَّنْزِيهِ، وَقِيلَ: مَعْنَاهُ أَنَّ أَمْرَهُ وَنَهْيَهُ وَرَحْمَتَهُ وَوَحْيَهُ جَاءَتْ مِنَ السَّمَاءِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: {أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّمَاءِ} [الملك:16] قِيلَ: وَقَدْ جَاءَ فِي بَعْضِ الْأَحَادِيثِ أَنَّ هَذِهِ الْجَارِيَةَ كَانَتْ خَرْسَاءَ، وَلِهَذَا جَوَّزَ الشَّافِعِيُّ الْأَخْرَسَ فِي الْعِتْقِ فَقَوْلُهُ: (قَالَتْ فِي السَّمَاءِ) :بِمَعْنَى أَشَارَتْ إِلَى السَّمَاءِ كَمَا فِي رِوَايَةٍ قَالَ شَارِحُ الْوِقَايَةَ: وَجَازَ الْأَصَمُّ أَيْ: مَنْ يَكُونُ فِي أُذُنِهِ وَقْرٌ، أَمَّا مَنْ لَمْ يَسْمَعْ أَصْلًا فَيَنْبَغِي أَنْ لَا يَجُوزَ ; لِأَنَّهُ فَائِتُ جِنْسِ الْمَنْفَعَةِ. (قَالَ: مَنْ أَنَا؟) :قَالَتْ: أَنْتَ رَسُولُ اللَّهِ. قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: (أَعْتِقْهَا) :أَمْرُ إِجَازَةٍ" [1] "
يُسْرُ الشَّرِيعَةِ عَلَى ثَلاَثَةِ أَنْوَاعٍ:
النَّوْعُ الأَْوَّل: تَيْسِيرُ الْعِلْمِ بِالشَّرِيعَةِ:
اقْتَضَتْ حِكْمَةُ اللَّهِ تَعَالَى أَنْ حَمَل هَذِهِ الشَّرِيعَةَ الإِْسْلاَمِيَّةَ - أَوَّل مَا حَمَلَهَا - قَوْمٌ أُمِّيُّونَ، لَمْ يَكُنْ لَهُمْ مَعْرِفَةٌ بِكُتُبِ الأَْقْدَمِينَ وَلاَ بِعُلُومِهِمْ، مِنَ الْعُلُومِ الْكَوْنِيَّةِ، وَالْمَنْطِقِ، وَالرِّيَاضِيَّاتِ، وَغَيْرِهَا، وَلاَ مِنَ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ، بَل كَانُوا بَاقِينَ قَرِيبًا مِنَ الْفِطْرَةِ. وَأَرْسَل اللَّهُ إِلَيْهِمْ رَسُولاً أُمِّيًّا لَمْ يَكْتُبْ كِتَابًا، وَلَمْ يَخُطَّهُ بِيَمِينِهِ، وَلاَ عَرَفَ أَنْ يَقْرَأَ شَيْئًا مِمَّا كَتَبَهُ الْكَاتِبُونَ. قَال اللَّهُ تَعَالَى: {هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الأُْمِّيِّينَ رَسُولاً مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْل لَفِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ} وَقَال: {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلاَ تَخُطُّهُ بِيَمِينِك إِذًا لاَرْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَل أَرَادَ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الشَّرِيعَةُ الْمُبَارَكَةُ خَاتِمَةَ الشَّرَائِعِ، فَهِيَ لِمَنْ عَاصَرَ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَلِمَنْ بَعْدَهُ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَهِيَ عَامَّةٌ لِلْبَشَرِ جَمِيعًا، لَيْسَتْ لِلْعَرَبِ وَحْدَهُمْ، بَل لَهُمْ وَلِمَنْ عَدَاهُمْ مِنَ الأُْمَمِ فِي مَشَارِقِ الأَْرْضِ وَمَغَارِبِهَا، وَفِيهِمِ الْقَوِيُّ وَالضَّعِيفُ، وَالْعَالِمُ وَالْجَاهِل، وَالْقَارِئُ وَالأُْمِّيُّ، وَالذَّكِيُّ وَالْبَلِيدُ. فَاقْتَضَتْ حِكْمَتُهُ تَعَالَى أَنْ تَكُونَ تِلْكَ الشَّرِيعَةُ الْعَامَّةُ الْخَاتِمَةُ مَيْسُورًا فَهْمُهَا وَتَعَقُّلُهَا
(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (5/ 2156)