الْمَلِكُ نَفْسَهُ أَنْ يَأْخُذَهَا، فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ غَدَتِ الْبَقَرَةُ إِلَى مَرْعَاهَا ثُمَّ رَاحَتْ فَحُلِبَتْ، فَنَقَصَ لَبَنُهَا عَلَى النِّصْفِ، وَجَاءَ مِقْدَارُ حِلَابِ خَمْسَ عَشْرَةَ بَقَرَةً، فَدَعَا الْمَلِكُ صَاحِبَ مَنْزِلِهِ فَقَالَ: أَخْبِرْنِي عَنْ بَقَرَتِكَ رَعَتِ الْيَوْمَ فِي غَيْرِ مَرْعَاهَا بِالْأَمْسِ؟ قَالَ: لَا، قَالَ: فَشَرِبَتْ فِي غَيْرِ مَشْرَبِهَا بِالْأَمْسِ، قَالَ: لَا، قَالَ: فَمَا بَالُ لَبَنِهَا نَقَصَ عَلَى النِّصْفِ؟ قَالَ: أَرَى أَنَّ الْمَلِكَ هَمَّ بِأَخْذِهَا فَنَقَصَ لَبَنُهَا، فَإِنَّ الْمَلِكَ إِذَا ظَلَمَ أَوْ هَمَّ بِظُلْمٍ ذَهَبَتِ الْبَرَكَةُ، قَالَ الْمَلِكُ: أَنَّى عَرَفْتَ ذَلِكَ؟ قَالَ: هُوَ ذَاكَ كَمَا قُلْتُ لَكَ، قَالَ: فَعَاهَدَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ الْمَلِكُ فِي نَفْسِهِ أَنْ لَا يَأْخُذَهَا وَلَا يَمْلِكَهَا، وَلَا تَكُونَ لَهُ فِي مُلْكِهِ أَبَدًا، قَالَ: فَغَدَتْ فَرَعَتْ ثُمَّ رَاحَتْ ثُمَّ حُلِبَتْ فَإِذَا لَبَنُهَا قَدْ عَادَ مِقْدَارَ حَلْبِ ثَلَاثِينَ بَقَرَةً، فَقَالَ الْمَلِكُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ نَفْسِهِ وَاعْتَبَرَ فَقَالَ: إِنْ كَانَ الْمَلِكُ إِذَا ظَلَمَ أَوْ هَمَّ بِظُلْمٍ ذَهَبَتِ الْبَرَكَةُ، لَا جَرَمَ لَأَعْدِلَنَّ وَلَأَكُونَنَّ عَلَى أَفْضَلِ حَالٍ" [1] "
"نَصَّ جُمْهُورُ الْفُقَهَاءِ عَلَى أَنَّ لِمُتَقَلِّدِ الْوِلاَيَةِ الْعَامَّةِ حَقًّا فِي بَيْتِ الْمَالِ، بِحَيْثُ يُرَتَّبُ لَهُ رِزْقٌ مِنْهُ يَكْفِيهِ وَعِيَالَهُ بِمَا يَتَنَاسَبُ مَعَ مَكَانَتِهِ وَحَاجَتِهِ، وَذَلِكَ قِيَاسًا عَلَى عَامِل الصَّدَقَةِ الَّذِي نَصَّ الْقُرْآنُ عَلَى اسْتِحْقَاقِهِ الرِّزْقَ - مَعَ غِنَاهُ - مِنْ مَال الزَّكَاةِ لِقِيَامِهِ عَلَى مَصَالِحِهَا، كَذَلِكَ أَهْل الْوِلاَيَاتِ الْعَامَّةِ يَسْتَحِقُّونَ رِزْقَهُمْ مِنْ بَيْتِ مَال الْمُسْلِمِينَ لِتَفَرُّغِهِمْ بِالْقِيَامِ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَاحْتِبَاسِهِمْ بِحَقِّ الْعَامَّةِ."
فَلَوْ لَمْ يُفْرَضْ لَهُمْ ذَلِكَ مِنْ بَيْتِ الْمَال لَتَعَطَّلَتِ الْمَصَالِحُ وَضَاعَتِ الْحُقُوقُ لاِنْشِغَالِهِمْ عَنْهَا بِالسَّعْيِ فِي الاِكْتِسَابِ، وَرُبَّمَا أَدَّى ذَلِكَ لِأَخْذِهِمُ الرِّشْوَةَ أَوْ غَيْرَهَا مِنَ الْمَال الْحَرَامِ. فَمِنْ أَجْل ذَلِكَ كَانَ لاَ بُدَّ مِنْ سَدِّ الذَّرِيعَةِ إِلَى ذَلِكَ بِكِفَايَتِهِمْ وَمَنْ يَعُولُونَ مِنْ بَيْتِ الْمَال. [2]
(1) - فضيلة العادلين من الولاة لأبي نعيم (ص:172) (49)
(2) - شرح أدب القاضي للصدر الشهيد 2 11،روضة القضاة 1 85،وروضة الطالبين 11 137،والمهذب 2 290،والمبسوط 16 102،وشرح منتهى الإرادات 3 462،وتحرير المقال فيما يحل ويحرم من بيت المال ص 149،والسياسة الشرعية ص 74،وأحكام القرآن للجصاص 2 363،وأحكام القرآن لابن العربي 1 326.الموسوعة الفقهية الكويتية - وزارة الأوقاف الكويتية (17/ 175)