فهرس الكتاب

الصفحة 427 من 1902

كَانَ كَسُوبًا وَمُحَصِّلًا لِمَئُونَةِ أَهْلِهِ وَعِيَالِهِ بِحِرْفَةِ التِّجَارَةِ، وَلَمْ يَكُنْ عَاجِزًا عَنْ ذَلِكَ، وَهَذَا تَمْهِيدٌ مِنْهُ وَاعْتِذَارٌ مِنْهُ فِي قَدْرِ مَا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ أَهْلُهُ مِنْ بَيْتِ الْمَالِ، وَمَنْ ثَمَّ أَتَى بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ فَسَيَأْكُلُ ; لِأَنَّهَا فَاءُ النَّتِيجَةِ، وَ (آلُ أَبِي بَكْرٍ) أَهْلُهُ وَعِيَالُهُ وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ نَفْسُهُ، وَفِي نَسَقِ الْكَلَامِ مِنَ الدَّلِيلِ عَلَى أَنَّهُ أَرَادَ بِآلِ أَبِي بَكْرٍ نَفْسَهُ، وَهُوَ قَوْلُهُ: وَيَحْتَرِفُ لِلْمُسْلِمِينَ ; أَيْ يَكْتَسِبُ بِالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ يَدُلُّ عَلَى مَا يَتَنَاوَلُ ذَلِكَ. قَالَ الطِّيبِيُّ: أَرَادَ بِنَسَقِ الْكَلَامِ أَنْ يَحْتَرِفَ مُسْنِدًا إِلَى ضَمِيرِ أَبِي بَكْرٍ، وَهُوَ عَطْفٌ عَلَى (فَسَيَأْكُلُ) ،فَإِذَا أُسْنِدَ إِلَى الْأَهْلِ تَنَافَرَ وَانْخَرَمَ النَّظْمُ. وَقَالَ الْقَاضِي: آلُ أَبِي بَكْرٍ أَهْلُهُ، عَدَلَ عَنِ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ، وَقِيلَ: نَفْسُهُ، وَالْآلُ مُقْحَمٌ لِقَوْلِهِ: وَيَحْتَرِفُ لَيْسَ بِشَيْءٍ بَلِ الْمَعْنَى إِنِّي كُنْتُ أَكْسِبُ لَهُمْ فَيَأْكُلُونَهُ، وَالْآنَ أَكْسِبُ لِلْمُسْلِمِينَ بِالتَّصَرُّفِ فِي أَمْوَالِهِمْ وَالسَّعْيِ فِي مَصَالِحِهِمْ وَنُظُمِ أَحْوَالِهِمْ، فَسَيَأْكُلُونَ مِنْ مَالِهِمُ الْمُعَدِّ لِمَصَالِحِهِمْ وَهُوَ مَالُ بَيْتِ الْمَالِ. قَالَ الطِّيبِيُّ: لَا بُدَّ فِي الِانْتِقَالِ مِنَ التَّكَلُّمِ إِلَى الْغَيْبَةِ عَلَى مَا سَمَّاهُ الْتِفَافًا مِنْ فَائِدَةٍ، فَقَوْلُهُ: آلُ أَبِي بَكْرٍ مِنْ بَابِ التَّجْرِيدِ، جَرَّدَ مِنْ نَفْسِهِ شَخْصًا مُتَّصِفًا بِصِفَةِ أَبِي بَكْرٍ مِنْ كَوْنِهِ كَسُوبًا مْحَصِّلًا لِمَئُونَةِ الْأَهْلِ بِالتِّجَارَةِ، ثُمَّ تَكَفَّلَ بِهَذَا الْأَمْرِ الْعَظِيمِ مِنْ تَوَلِّي أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ، وَامْتَنَعَ مِنَ الِاكْتِسَابِ لِمَئُونَةِ أَهْلِهِ وَغَيْرِهِ، وَهُوَ هُوَ، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِالْعَلِيَّةِ وَإِنَّ مَنِ اتَّصَفَ بِتِلْكَ الصِّفَةِ حَقِيقٌ بِأَنْ يَأْكُلَ هُوَ وَأَهْلُهُ مِنْ بَيْتِ مَالِ الْمُسْلِمِينَ. قَالَ التُّورِبِشْتِيُّ: فَرَضَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ لِنَفْسِهِ مُدَّيْنِ مِنْ طَعَامٍ وَإِدَامًا زَيْتًا، أَوْ نَحْوَهُ، وَإِزَارًا وَرِدَاءً فِي الصَّيْفِ، وَفَرْوَةً، أَوْ جُبَّةً فِي الشِّتَاءِ، وَظَهْرًا مُعِينًا لِحَاجَتِهِ فِي السِّفَرِ وَالْحَضَرِ. قَالَ الْمُظْهِرُ: وَفِيهِ بَيَانٌ أَنَّ لِلْعَامِلِ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ عَرَضِ الْمَالِ يَعْمَلُ فِيهِ قَدْرَ مَا يَسْتَحِقُّهُ لِعِمَالَتِهِ إِذَا لَمْ يَكُنْ فَوْقَهُ إِمَامٌ يَقْطَعُ لَهُ أُجْرَةً مَعْلُومَةً. [1]

ولاة الأمر هم الأمراء والعلماء، وبصلاح هذين الصنفين يصلح الناس، وبفسادهما يفسد الناس، وقد جعل الله تعالى وجوب نصرة الدين وتبليغ العلم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

(1) - مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (6/ 2434)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت