على ولاة الأمر آكد من غيرهم، لما اجتمع عندهم من العلم والقدرة والسلطان، قال تعالى: {وَتَرَى كَثِيرًا مِنْهُمْ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (62) لَوْلَا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (63) } [المائدة:62،63] ،والربانيون: هم العلماء أصحاب الولايات، والأحبار: هم العلماء فقط، قال الإمام ابن كثير رحمه الله: أَيْ: يُبَادِرُونَ إِلَى ذَلِكَ مِنْ تَعَاطِي الْمَآثِمِ وَالْمَحَارِمِ وَالِاعْتِدَاءِ عَلَى النَّاسِ، وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَهُمْ بِالْبَاطِلِ {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ} أَيْ: لَبِئْسَ الْعَمَلُ كَانَ عَمَلُهُمْ وَبِئْسَ الِاعْتِدَاءُ اعْتِدَاؤُهُمْ.
قَوْلُهُ: {لَوْلا يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ عَنْ قَوْلِهِمُ الإثْمَ وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} يَعْنِي: هَلَّا كَانَ يَنْهَاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ عَنْ تَعَاطِي ذَلِكَ. وَالرَّبَّانِيُّونَ وَهُمُ: الْعُلَمَاءُ الْعُمَّالُ أَرْبَابُ الْوِلَايَاتِ عَلَيْهِمْ، وَالْأَحْبَارُ: وَهُمُ الْعُلَمَاءُ فَقَطْ. {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} وَقَالَ عَلِيُّ بْنُ أَبِي طَلْحَةَ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: يَعْنِي الرَّبَّانِيِّينَ، أَنَّهُمْ: بِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ. يَعْنِي: فِي تَرْكِهِمْ ذَلِكَ. وَقَالَ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ: قَالَ لِهَؤُلَاءِ حِينَ لَمْ يَنْهُوا، وَلِهَؤُلَاءِ حِينَ عَلِمُوا. قَالَ: وذلك الأركان. قال:"ويعملون"و"ويصنعون"وَاحِدٌ. رَوَاهُ ابْنُ أَبِي حَاتِم [1] .
وقال الإمام ابن جرير رحمه الله"هَلَا يَنْهَى هَؤُلَاءِ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَأَكْلِ الرُّشَا فِي الْحُكْمِ مِنَ الْيَهُودِ مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ رَبَّانِيُّوهُمْ، وَهُمْ أَئِمَّتُهُمُ الْمُؤْمِنُونَ، وَسَاسَتُهُمُ الْعُلَمَاءُ بِسِيَاسَتِهِمْ وَأَحْبَارَهُمْ، وَهُمْ عُلَمَاؤُهُمْ وَقُوَّادُهُمْ {عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ} [المائدة:63] يَعْنِي:"عَنْ قَوْلِ الْكَذِبِ وَالزُّورِ؛ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَحْكُمُونَ فِيهِمْ بِغَيْرِ حُكْمِ اللَّهِ، وَيَكْتُبُونَ كُتُبًا بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ: هَذَا مِنْ حُكْمِ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ كُتُبِهِ. يَقُولُ اللَّهُ: {فَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا كَتَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَهُمْ مِمَّا يَكْسِبُونَ} [البقرة:79] وَأَمَّا قَوْلُهُ: {وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ} [المائدة:62] فَإِنَّهُ يَعْنِي بِهِ الرِّشْوَةَ الَّتِي كَانُوا يَأْخُذُونَهَا عَلَى حُكْمِهِمْ بِغَيْرِ كِتَابِ اللَّهِ لِمَنْ حَكَمُوا لَهُ بِهِ. وَقَدْ بَيَّنَّا مَعْنَى الرَّبَّانِيِّينَ وَالْأَحْبَارِ وَمَعْنَى السُّحْتِ بِشَوَاهِدِ ذَلِكَ فِيمَا مَضَى بِمَا أَغْنَى عَنْ إِعَادَتِهِ فِي هَذَا الْمَوْضِعِ. وَأَمَّا قَوْلُهُ: {لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَصْنَعُونَ} [المائدة:63] وَهَذَا قَسَمٌ مِنَ اللَّهِ أَقْسَمَ بِهِ، يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَقْسَمَ لَبِئْسَ الصَّنِيعُ كَانَ يَصْنَعُ هَؤُلَاءِ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبَارُ فِي تَرْكِهِمْ نَهْيَ
(1) - تفسير ابن كثير ت سلامة (3/ 144)