فهرس الكتاب

الصفحة 980 من 1902

وفيما قاله لهم لمسات توقظ القلوب الغافية، وتنبه فيها الحرص والخوف: «أَتُتْرَكُونَ فِي ما هاهُنا آمِنِينَ؟» أتظنون أنكم متروكون لهذا الذي أنتم فيه من دعة ورخاء ومتعة ونعمة .. وسائر ما يتضمنه هذا الإجمال من تفخيم وتضخيم .. أتتركون في هذا كله آمنين لا يروعكم فوت، ولا يزعجكم سلب، ولا يفزعكم تغيير؟ أتتركون في هذا كله من جنات وعيون، وزروع متنوعات، ونخل جيدة الطلع، سهلة الهضم حتى كأن جناها مهضوم لا يحتاج إلى جهد في البطون! وتتركون في البيوت تنحتونها في الصخور بمهارة وبراعة، وفي أناقة وفراهة؟ [1]

من مقاصد الشريعة الإسلامية الرحمة بالخلق وإطعام الفقراء وتوفير حاجاتهم وتحقيق كفاياتهم بما يخرجهم من فقرهم، ومن مقاصد الشريعة ألا يكون المال متداولا بين الأغنياء دون الفقراء، كما قال تعالى في أموال الفيء: {كَيْ لَا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِيَاءِ مِنْكُمْ} [الحشر:7] .

أَيْ: جَعَلْنَا هَذِهِ الْمَصَارِفَ لِمَالِ الْفَيْءِ لِئَلَّا يَبْقَى مَأْكَلَةً يَتَغَلَّبُ عَلَيْهَا الْأَغْنِيَاءُ وَيَتَصَرَّفُونَ فِيهَا، بِمَحْضِ الشَّهَوَاتِ وَالْآرَاءِ، وَلَا يَصْرِفُونَ مِنْهُ شَيْئًا إِلَى الْفُقَرَاءِ. [2]

وقوله تعالى: «كَيْ لا يَكُونَ دُولَةً بَيْنَ الْأَغْنِياءِ مِنْكُمْ» هو تعليل لحكم التصرف في الفيء، وأنه إنما جرى عليه هذا الحكم حتى ينال الفقراء والمساكين حظهم منه، وحتى لا ينتقل من يد الذين يملكون إلى يد الذين يملكون، فيصبح دولة بينهم، أي متداولا بين الأغنياء، على حين يظل الفقراء على فقرهم، ويقيم المحرومون على حرمانهم!! [3]

فقد جاءت الشريعة الإسلامية بنظام متكامل في النفقات لسد حاجات المحتاجين ورفع معاناة الفقراء وإزالة فقرهم وحاجتهم، وهو نظام تتجلى فيه الأخلاق العظيمة: كالعدل والرحمة والمحبة

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:3350)

(2) - تفسير ابن كثير ت سلامة (8/ 67)

(3) - التفسير القرآني للقرآن (14/ 858)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت