فهرس الكتاب

الصفحة 224 من 1902

قال الله تعالى له: حشرتك أعمى; لأنك أتتك آياتي البينات، فأعرضت عنها، ولم تؤمن بها، وكما تركتَها في الدنيا فكذلك اليوم تُترك في النار.

وهكذا نعاقب مَن أسرف على نفسه فعصى ربه، ولم يؤمن بآياته بعقوبات في الدنيا، ولَعذاب الآخرة المعدُّ لهم أشد ألمًا وأدوم وأثبت; لأنه لا ينقطع ولا ينقضي. [1]

«فَمَنِ اتَّبَعَ هُدايَ فَلا يَضِلُّ وَلا يَشْقى» .. فهو في أمان من الضلال والشقاء باتباع هدى الله. وهما ينتظران خارج عتبات الجنة. ولكن الله يقي منهما من اتبع هداه. والشقاء ثمرة الضلال ولو كان صاحبه غارقا في المتاع. فهذا المتاع ذاته شقوة. شقوة في الدنيا وشقوة في الآخرة. وما من متاع حرام، إلا وله غصة تعقبه وعقابيل تتبعه. وما يضل الإنسان عن هدى الله إلا ويتخبط في القلق والحيرة والتكفؤ والاندفاع من طرف إلى طرف لا يستقر ولا يتوازن في خطاه. والشقاء قرين التخبط ولو كان في المرتع الممرع! ثم الشقوة الكبرى في دار البقاء. ومن اتبع هدى الله فهو في نجوة من الضلال والشقاء في الأرض، وفي ذلك عوض عن الفردوس المفقود، حتى يؤوب إليه في اليوم الموعود.

«وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» والحياة المقطوعة الصلة بالله ورحمته الواسعة، ضنك مهما يكن فيها من سعة ومتاع. إنه ضنك الانقطاع عن الاتصال بالله والاطمئنان إلى حماه. ضنك الحيرة والقلق والشك. ضنك الحرص والحذر: الحرص على ما في اليد والحذر من الفوت. ضنك الجري وراء بارق المطامع والحسرة على كل ما يفوت. وما يشعر القلب بطمأنينة الاستقرار إلا في رحاب الله. وما يحس راحة الثقة إلا وهو مستمسك بالعروة الوثقى التي لا انفصام لها .. إن طمأنينة الإيمان تضاعف الحياة طولا وعرضا وعمقا وسعة، والحرمان منه شقوة لا تعدلها شقوة الفقر والحرمان.

«وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي» وانقطع عن الاتصال بي «فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً» .. «وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيامَةِ أَعْمى» .. وذلك ضلال من نوع ضلاله في الدنيا. وذلك جزاء على إعراضه عن الذكر في الأولى. حتى إذا سأل: «رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيراً؟» كان الجواب: «كَذلِكَ أَتَتْكَ آياتُنا فَنَسِيتَها وَكَذلِكَ الْيَوْمَ تُنْسى. وَكَذلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآياتِ

(1) - التفسير الميسر (1/ 320)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت