فهرس الكتاب
كان عليه أن يقيم وازعا من سلطانه على رأس كل إنسان .. يمسك بيده، ويدفع بغيه وعدوانه، وذلك أمر محال، وإنما جعل الإسلام ذلك إلى مشاعر الجماعة ووجدانها، بما أيقظ فيها من نوازع الخير، ودوافع الإحسان، وبما غذّاها به من فضله وإحسانه، وبما وعدها من حسن المثوبة، وعظيم الجزاء، في الدنيا، وفى الآخرة جميعا .. «وَما أَنْفَقْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ وَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ» .
وَما آتَيْتُمْ مِنْ رِباً لِيَرْبُوَا فِي أَمْوالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُوا عِنْدَ اللَّهِ وَما آتَيْتُمْ مِنْ زَكاةٍ تُرِيدُونَ وَجْهَ اللَّهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُونَ» (39:الروم) ..
فتلك المشاعر الحيّة، وهذه الوجدانات المتفتحة لرحمة الله، الراغبة في حسن الجزاء عنده، هى الحارس الذي لا يغفل، وهى الوازع الذي يقوم حجازا بين ظلم الناس للناس، وبغى الناس على الناس.
وقوله تعالى: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» هو استثناء متصل، وليس استثناء منفصلا كما ذهب إلى ذلك الزمخشري، وأكثر المفسّرين ..
فالتجارة: هى من تلك المائدة الممدودة بين الناس «أموالكم» ،بل هى الوجه الواضح من هذه المائدة، إذ كانت أكثر الأموال دائرة في فلك التجارة، متداولة بين أيدى الناس عن طريقها ..
وفى عمليات التجارة، ربح وخسارة.
وفى جانب الربح قد يحصل كثير من الناس على أموال طائلة .. !
وهذه الأموال التي ربحها الرابحون هى خسارة قد خسرها آخرون! والصورة في جانب الرّبح تبدو وكأنها أكل لأموال الناس بالباطل، ذلك الأكل الذي ورد صدر الآية الكريمة بالنهى عنه! فهل هذا المال- مال الربح في التجارة أيا كان من الكثرة- هل هو داخل في هذا المال المنهي عن أكله بالباطل؟ وهل يتناوله الحكم الواقع عليه؟
هذا ما استثناه الله تعالى في قوله: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» .فهذا المال ليس من الباطل في شاء .. هو مال حلال، إذ جاء عن عمليات بيع وشراء، لا قهر فيها، ولا تدليس أو غشّ، بين البائعين والمشترين. [1]
(1) - التفسير القرآني للقرآن (3/ 769)