فهرس الكتاب

الصفحة 1020 من 1902

فإذا ما وجد في التجارة الربح الكثير بلا غش ولا تغرير، بل بتراض من الطرفين لم يكن في هذا حرج، ولولا ذلك ما رغب أحد في التجارة، ولا اشتغل بها أحد من أهل الدين، على شدة حاجة العمران إليها، وعدم الاستغناء عنها. [1]

النداء للذين آمنوا، والنهي لهم عن أكل أموالهم بينهم بالباطل.

«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَأْكُلُوا أَمْوالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْباطِلِ» .مما يوحي بأنها عملية تطهير لبقايا رواسب الحياة الجاهلية في المجتمع الإسلامي واستجاشة ضمائر المسلمين بهذا النداء: «يا أيها الذين آمنوا» .. واستحياء مقتضيات الإيمان. مقتضيات هذه الصفة التي يناديهم الله بها، لينهاهم عن أكل أموالهم بينهم بالباطل.

وأكل الأموال بالباطل يشمل كل طريقة لتداول الأموال بينهم لم يأذن بها الله، أو نهى عنها، ومنها الغش والرشوة والقمار واحتكار الضروريات لإغلائها، وجميع أنواع البيوع المحرمة - والربا في مقدمتها - ولا نستطيع أن نجزم إن كان هذا النص قد نزل بعد تحريم الربا أو قبله فإن كان قد نزل قبله، فقد كان تمهيدا للنهي عنه. فالربا أشد الوسائل أكلا للأموال بالباطل. وإن كان قد نزل بعده، فهو يشمله فيما يشمل من ألوان أكل أموال الناس بالباطل.

واستثنى العمليات التجارية التي تتم عن تراض بين البائع والشاري: «إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجارَةً عَنْ تَراضٍ مِنْكُمْ» .. وهو استثناء منقطع .. تأويله: ولكن إذا كانت تجارة عن تراض منكم فليست داخلة في النص السابق .. ولكن مجيئها هكذا في السياق القرآني، يوحي بنوع من الملابسة بينها وبين صور التعامل الأخرى، التي توصف بأنها أكل لأموال الناس بالباطل .. وندرك هذه الملابسة إذا استصحبنا ما ورد في آيات النهي عن الربا - في سورة البقرة - من قول المرابين في وجه تحريم الربا: «إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبا» .. ورد الله عليهم في الآية نفسها: «وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا» .. فقد كان المرابون يغالطون، وهم يدافعون عن نظامهم الاقتصادي الملعون. فيقولون: إن البيع - وهو التجارة - تنشأ عنها زيادة في الأموال وربح. فهو - من ثم - مثل الربا. فلا معنى لإحلال البيع وتحريم الربا! والفرق بعيد بين طبيعة العمليات التجارية والعمليات الربوية أولا، وبين الخدمات التي تؤديها التجارة للصناعة وللجماهير والبلاء الذي

(1) - تفسير المراغي (5/ 16)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت