أن ينشئ حالة من الانزواء والانكماش والعدمية! أو ينشئ حالة من الاستهتار والتمرد والفردية! وفي كلتا الحالتين لا يكون إلا القلق المضني! والبؤس النفسي والعقلي، والشرود في التيه: تيه التمرد، أو تيه العدم .. وهما سواء ..
وهي ليست مأساة «الوجودية» وحدها من مذاهب الفكر الأوربي. إنها مأساة الفكر الأوربي كله - بكل مذاهبه واتجاهاته - بل مأساة الجاهلية كلها في جميع أزمانها وبيئاتها. المأساة التي يضع الإسلام حدا لها بعقيدته الشاملة. التي تنشئ في الإدراك البشري تصورا صحيحا لهذا الوجود، وما وراءه من قوة مدبرة.
إن «الإنسان» هو ابن هذه الأرض وهو ابن هذا الكون. لقد أنشأه الله من هذه الأرض، ومكنه فيها، وجعل له فيها أرزاقا ومعايش، ويسر له المعرفة التي تسلمه مفاتيحها وجعل نواميسها موافقة لوجود هذا الإنسان، تساعده - حين يتعرف إليها على بصيرة - وتيسر حياته ..
ولكن الناس قليلا ما يشكرون .. ذلك أنهم في جاهليتهم لا يعلمون .. وحتى الذين يعلمون لا يملكون أن يوفوا نعمة الله عليهم حقها من الشكر، وأنى لهم الوفاء؟ لولا أن الله يقبل منهم ما يطيقون: وهؤلاء وهؤلاء ينطبق عليهم بهذين الاعتبار ين قوله تعالى: «قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ» ." [1] "
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:1713)