فهرس الكتاب
الْغَضَبِ، وَالرِّضَا، فَأَمْسَكْتُ عَنِ الْكِتَابِ، فَذَكَرْتُ ذَلِكَ لِرَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،فَأَوْمَأَ بِأُصْبُعِهِ إِلَى فِيهِ، فَقَالَ: «اكْتُبْ فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ مَا يَخْرُجُ مِنْهُ إِلَّا حَقٌّ» رواه أبو داود [1] .
وعَنْ عُبَادَةَ بْنِ الصَّامِتِ، قَالَ: عَلَّمْتُ نَاسًا مِنْ أَهْلِ الصُّفَّةِ الْكِتَابَ، وَالْقُرْآنَ فَأَهْدَى إِلَيَّ رَجُلٌ مِنْهُمْ قَوْسًا فَقُلْتُ: لَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ، لَآتِيَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - فَلَأَسْأَلَنَّهُ فَأَتَيْتُهُ، فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، رَجُلٌ أَهْدَى إِلَيَّ قَوْسًا مِمَّنْ كُنْتُ أُعَلِّمُهُ الْكِتَابَ وَالْقُرْآنَ، وَلَيْسَتْ بِمَالٍ وَأَرْمِي عَنْهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ، قَالَ: «إِنْ كُنْتَ تُحِبُّ أَنْ تُطَوَّقَ طَوْقًا مِنْ نَارٍ فَاقْبَلْهَا» رواه أبو داود [2] .
(1) - سنن أبي داود (3/ 318) (3646) صحيح
قال الشيخ: يشبه أن يكون النهي متقدماً وآخر الأمرين الإباحة، وقد قيل أنه إنما نهى أن يكتب الحديث مع القرآن في صحيفة واحدة لئلا يختلط به ويشتبه على القاراء فأما أن يكون نفس الكتاب محظوراً وتقييد العلم بالخط منهياً عنه فلا. وقد أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أمته بالتبليغ وقال ليبلغ الشاهد الغائب فإذا لم يقيدوا ما يسمعونه منه تعذر التبليغ ولم يؤمن ذهاب العلم وأن يسقط أكثر الحديث فلا يبلغ آخر القرون من الأمة، وللنسبان من طبع أكثر البشر والحفظ غير مأمون عليه الغلط، وقد قال - صلى الله عليه وسلم - لرجل شكى إليه سوء الحفظ استعن بيمينك، وقال اكتبوها لأبى شاه خطبة خطبها فاستكتبها وقد كتب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كتباً في الصدقات والمعاقل والديات أو كتبت عنه فعمل بها الأمة وتناقلتها الرواة ولم ينكرها أحد من علماء السلف والخلف فدل ذلك على جواز كتابة الحديث والعلم والله أعلم. معالم السنن (4/ 184)
(2) - سنن أبي داود (3/ 264) (3416) صحيح
قال الشيخ اختلف الناس في معنى هذا الحديث وتأويله فذهب قوم من العلماء إلى ظاهره فرأوا أن أخذ الأجرة والعوض على تعليم القرآن غير مباح، وإليه ذهب الزهري وأبو حنيفة وإسحاق بن راهويه.
وقالت طائفة لا بأس به ما لم يشترط وهو قول الحسن البصري وابن سيرين والشعبي وأباح ذلك آخرون وهو مذهب عطاء ومالك والشافعي وأبي ثور واحتجوا بحديث سهل بن سعد أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للرجل الذي خطب المرأة فلم يجد لها مهراً زوجتكها على ما معك من القرآن، وقد ذكره أبو داود في موضعه من هذا الكتاب، وتأولوا حديث عبادة على أنه أمر كان تبرع به ونوى الاحتساب فيه ولم يكن قصده وقت التعليم إلى طلب عوض ونفع فحذره النبي - صلى الله عليه وسلم - إبطال أجره وتوعده عليه، وكان سبيل عبادة في هذا سبيل من رد ضالة الرجل أو استخرج له متاعاً قد عرف تبرعاً وحسبة فليس له أن يأخذ عليه عوضاً ولو أنه طلب لذلك أجرة قبل أن يفعله حسبة كان ذلك جائزاً.
وأهل الصفة قوم فقراء كانوا يعيشون بصدقة الناس فأخذ الرجل المال منهم مكروه ودفعه إليهم مستحب.
وقال بعض العلماء أخذ الأجرة على تعليم القرآن له حالات فإذا كان في المسلمين غيره ممن يقوم به حل له أخذ الأجرة عليه لأن فرض ذلك لا يتعين عليه. وإذا كان في حال أو موضع لا يقوم به غيره لم يحل له أخذ الأجرة وعلى هذا تأول اختلاف الأخبار فيه. معالم السنن (3/ 99)
وَقَدْ اسْتَدَلَّ بِأَحَادِيثِ الْبَابِ مَنْ قَالَ: إنَّهَا لَا تَحِلُّ الْأُجْرَةُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَهُوَ أَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَأَصْحَابُهُ وَأَبُو حَنِيفَةَ وَالْهَادَوِيَّةُ، وَبِهِ قَالَ عَطَاءٌ وَالضَّحَّاكُ بْنُ قَيْسٍ وَالزُّهْرِيُّ وَإِسْحَاقُ وَعَبْدُ اللَّهِ بْنُ شَقِيقٍ. وَظَاهِرُهُ عَدَمُ الْفَرْقِ بَيْنَ أَخْذِهَا عَلَى تَعْلِيمِ مَنْ كَانَ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا
وَقَالَتْ الْهَادَوِيَّةُ: إنَّمَا يَحْرُمُ أَخْذُهَا عَلَى تَعْلِيمِ الْكَبِيرِ لِأَجْلِ وُجُوبِ تَعْلِيمِهِ الْقَدْرَ الْوَاجِبَ وَهُوَ غَيْرُ مُتَعَيِّنٍ. وَلَا يَحْرُمُ عَلَى تَعْلِيمِ الصَّغِيرِ لِعَدَمِ الْوُجُوبِ عَلَيْهِ وَذَهَبَ الْجُمْهُورُ إلَى أَنَّهَا تَحِلُّ الْأُجْرَةُ عَلَى تَعْلِيمِ الْقُرْآنِ وَأَجَابُوا عَنْ أَحَادِيثِ الْبَابِ بِأَجْوِبَةٍ: مِنْهَا أَنَّ حَدِيثَا أُبَيٍّ وَعُبَادَةُ قَضِيَّتَانِ فِي عَيْنٍ، فَيُحْتَمَلُ أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - عَلِمَ أَنَّهُمَا فَعَلَا ذَلِكَ خَالِصًا لِلَّهِ فَكَرِهَ أَخْذَ الْعِوَضِ عَنْهُ
وَأَمَّا مَنْ عَلَّمَ الْقُرْآنَ عَلَى أَنَّهُ لِلَّهِ وَأَنْ يَأْخُذَ مِنْ الْمُتَعَلِّمِ مَا دَفَعَهُ إلَيْهِ بِغَيْرِ سُؤَالٍ وَلَا اسْتِشْرَافِ نَفْسٍ فَلَا بَأْسَ بِهِ وَأَمَّا حَدِيثُ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ فَلَيْسَ فِيهِ إلَّا تَحْرِيمُ السُّؤَالِ بِالْقُرْآنِ وَهُوَ غَيْرُ اتِّخَاذِ الْأَجْرِ عَلَى تَعْلِيمِهِ"نيل الأوطار (5/ 344) "