فهرس الكتاب

الصفحة 1222 من 1902

وعَنْ أَبِي عُثْمَانَ، أَنَّ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ اسْتَعْمَلَ رَجُلًا، فَقَالَ الْعَامِلُ: إِنَّ لِي كَذَا وَكَذَا مِنَ الْوَلَدِ، مَا قَبَّلْتُ وَاحِدًا مِنْهُمْ، فَزَعَمَ عُمَرُ، أَوْ قَالَ عُمَرُ: إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَا يَرْحَمُ مِنْ عِبَادِهِ إِلَّا أَبَرَّهُمْ"أخرجه البخاري في الأدب المفرد [1] "

وعَنْ أَبِي عُثْمَانَ النَّهْدِيِّ، قَالَ: اسْتَعْمَلَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ رَجُلًا مِنْ بَنِي أَسَدٍ عَلَى عَمَلٍ فَجَاءَ يَأْخُذُ عَهْدَهُ، قَالَ: فَأَتَى عُمَرُ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ بِبَعْضِ وَلَدِهِ فَقَبَّلَهُ، قَالَ: أَتُقَبِّلُ هَذَا؟ مَا قَبَّلْتُ وَلَدًا قَطُّ. فَقَالَ عُمَرُ:"فَأَنْتَ بِالنَّاسِ أَقَلُّ رَحْمَةً، هَاتِ عَهْدَنَا، لَا تَعْمَلْ لِي عَمَلًا أَبَدًا" [2]

وعَنِ الأَسْوَدِ بْنِ يَزِيدَ، قَالَ: كَانَ الْوَفْدُ إِذَا قَدِمُوا عَلَى عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ سَأَلَهُمْ عَنْ أَمِيرِهِمْ، فَيَقُولُونَ خَيْرًا، فَيَقُولُ: هَلْ يَعُودُ مَرْضَاكُمْ؟ فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: هَلْ يَعُودُ الْعَبْدَ؟

فَيَقُولُونَ: نَعَمْ، فَيَقُولُ: كَيْفَ صَنِيعُهُ بِالضَّعِيفِ؟ هَلْ يَجْلِسُ عَلَى بَابِهِ؟

فَإِنْ قَالُوا لِخِصْلَةٍ مِنْهَا: لا، عَزَلَهُ" [3] "

وليس المقصود برحمة الولاة للرعية رحمة القلب المجردة، بل المراد الرحمة القلبية وما يتبعها من إصلاحهم والشفقة عليهم، وتفقد أحوالهم وحاجاتهم، ومحبة الخير لهم، والتواضع لهم والصبر على أذاهم، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَجُلًا شَكَا إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَسْوَةَ قَلْبِهِ، فَقَالَ:"امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ، وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ"رواه أحمد [4]

(1) - الأدب المفرد مخرجا (ص:48) (99) حسن

(2) - السنن الكبرى للبيهقي (9/ 72) (17906) حسن

(3) - تاريخ الطبري = تاريخ الرسل والملوك، وصلة تاريخ الطبري (4/ 226) صحيح

(4) - مسند أحمد ط الرسالة (14/ 558) (9018) واعتلال القلوب للخرائطي (1/ 33) (52) حسن لغيره

(أَنَّ رَجُلًا شَكَا) :يَنْبَغِي أَنْ يَكْتُبَ بِالْأَلْفِ كَدَعَا وَعَفَا، وَيَجُوزُ كِتَابَتُهَا بِالْيَاءِ أَيْضًا؛ لِأَنَّ (شَكَيْتُ) لُغَةٌ فِي شَكَوْتُ (إِلَى النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - قَسْوَةَ قَلْبِهِ) أَيْ: قَسَاوَتَهُ وَشِدَّتَهُ وَقِلَّةَ رِقَّتِهِ وَعَدَمَ أُلْفَتِهِ وَرَحْمَتِهِ ( «قَالَ: امْسَحْ رَأْسَ الْيَتِيمِ» ) :لِتَتَذَكَّرَ الْمَوْتَ فَيَغْتَنِمَ الْحَيَاةَ، فَإِنَّ الْقَسْوَةَ مَنْشَؤُهَا الْغَفْلَةُ. ( «وَأَطْعِمِ الْمِسْكِينَ» ) :لِتَرَى آثَارَ نِعْمَةِ اللَّهِ عَلَيْكَ حَيْثُ أَغْنَاكَ، وَأَحْوَجَ إِلَيْكَ سِوَاكَ فَيَرِقَّ قَلْبُكَ وَيَزُولَ قَسْوَتُهُ، وَلَعَلَّ وَجْهَ تَخْصِيصِهِمَا بِالذِّكْرِ أَنَّ الرَّحْمَةَ عَلَى الصَّغِيرِ وَالْكَبِيرِ مُوجِبَةٌ لِرَحْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَى عَبْدِهِ الْمُتَخَلِّقِ بِبَعْضِ صِفَاتِهِ، فَيُنْزِلُ عَلَيْهِ الرَّحْمَةَ، وَيَرْفَعُ عَنْهُ الْقَسْوَةَ، وَحَاصِلُهُ أَنَّهُ لَا بُدَّ مِنِ ارْتِكَابِ أَسْبَابِ تَحْصِيلِ الْأَخْلَاقِ بِالْمُعَالَجَةِ الْعِلْمِيَّةِ أَوْ بِالْعَمَلِيَّةِ، أَوْ بِالْمَعْجُونِ الْمُرَكَّزِ مِنْهُمَا عَلَى مَا بَيَّنَهُ فِي الْإِحْيَاءِ. وَقَالَ الطِّيبِيُّ: خَصَّهُمَا بِالذِّكْرِ تَلْمِيحًا إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: {أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيمًا ذَا مَقْرَبَةٍ أَوْ مِسْكِينًا ذَا مَتْرَبَةٍ} [البلد:14] ،وَمُرَاعَاتُهُمَا مِنِ اقْتِحَامِ الْعَقَبَةِ الشَّاقَّةِ لِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ مُعَانَاةِ الْمَشَقَّةِ وَمُجَاهَدَةِ النَّفْسِ، فَمَنِ اقْتَحَمَ تِلْكَ الْعَقَبَةَ يَرِقُّ قَلْبُهُ وَتَسْمَحُ نَفْسُهُ فِي تَعَاطِي كُلِّ خَيْرٍ، وَفِيهِ أَنَّ مَنِ ابْتُلِيَ بِدَاءٍ مِنَ الْأَخْلَاقِ الذَّمِيمَةِ يَكُونُ تَدَارُكُهُ بِمَا يُضَادُّهُ مِنَ الدَّوَاءِ فَالتَّكَبُّرُ يُدَاوَى بِالتَّوَاضُعِ، وَالْبُخْلُ بِالسَّمَاحَةِ، وَقَاسِي الْقَلْبِ بِالتَّعَطُّفِ وَالرِّقَّةِ. (رَوَاهُ أَحْمَدُ) .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (8/ 3130)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت