فهرس الكتاب
ومما يجب على ولاة الأمر الإحسان إلى الخلق، وتأليف قلوبهم، والعناية بتحقيق حاجاتهم، فإن هذا مما يقربهم من الخير ويسهل قبولهم للحق، ويزيد به التفافهم حول ولاة الأمر ومحبتهم لهم، وقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [النحل:90]
وقال تعالى: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ وَالْعَامِلِينَ عَلَيْهَا وَالْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ وَفِي الرِّقَابِ وَالْغَارِمِينَ وَفِي سَبِيلِ اللَّهِ وَابْنِ السَّبِيلِ فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ} [التوبة:60] .
وعَنْ جَرِيرِ بْنِ حَازِمٍ، قَالَ: سَمِعْتُ الحَسَنَ، يَقُولُ: حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - أُتِيَ بِمَالٍ - أَوْ سَبْيٍ - فَقَسَمَهُ، فَأَعْطَى رِجَالًا وَتَرَكَ رِجَالًا، فَبَلَغَهُ أَنَّ الَّذِينَ تَرَكَ عَتَبُوا، فَحَمِدَ اللَّهَ، ثُمَّ أَثْنَى عَلَيْهِ، ثُمَّ قَالَ: «أَمَّا بَعْدُ فَوَاللَّهِ إِنِّي لَأُعْطِي الرَّجُلَ، وَأَدَعُ الرَّجُلَ، وَالَّذِي أَدَعُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي أُعْطِي، وَلَكِنْ أُعْطِي أَقْوَامًا لِمَا أَرَى فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الجَزَعِ وَالهَلَعِ، وَأَكِلُ أَقْوَامًا إِلَى مَا جَعَلَ اللَّهُ فِي قُلُوبِهِمْ مِنَ الغِنَى وَالخَيْرِ، فِيهِمْ عَمْرُو بْنُ تَغْلِبَ» فَوَاللَّهِ مَا أُحِبُّ أَنَّ لِي بِكَلِمَةِ رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - حُمْرَ النَّعَمِ"رواه البخاري [1] ."
(1) - صحيح البخاري (2/ 10) (923)
[ش (سبي) ما يؤخذ من العدو من النساء والأطفال. (عتبوا) سخطوا في أنفسهم. (الجزع) الضعف عن الصبر وتحمل ما ينزل به مكروه. (الهلع) أشد الفزع والخوف. (أكل) أترك. (الغنى) النفسي والتعفف. (الخير) الإيمان الحامل على الصبر والرضى. (أن لي بكلمة) بدل كلمة. (حمر النعم) الإبل الحمراء وكانت أعجب الأموال وأحبها إلى العرب]
يحدثنا عمرو بن تغلب رضي الله عنه:"أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أتي بمال أو بسبي"وهو ما يؤخذ من العدو من الأسرى عبيداً أو إماءً"فقسمه، فأعطى رجالاً، وترك رجالاً"أي: فأعطى بعض الناس تأليفاً لقلوبهم، وترك البعض الآخر ثقة بهم، لما منحهم الله من قوة الإِيمان واليقين،"فبلغه أن الذين لم يعطهم عتبوا"أي لاموا عليه فيما بينهم،"فحمد الله ثم أثنى عليه، ثم قال: أما بعد"أي ثم قال قبل الشروع في الموضوع الذي أراد الحديث عنه:"أما بعد"وهي كلمة يؤتى بها للفصل بين المقدمة والوضوع، ولذلك تسمى"فصل الخطاب"فأقول:"والله إني لأُعطي الرجل، وأدع الرجل، والذي أدع أحبّ إلي"أي: والذي أتركه أحبُّ إلى نفسي ممن أعطيه،"ولكني أُعطي أقواماً لما أرى في قلوبم من الجزع والهلع"أي: من شدة الألم والضجر الذي يصيب نفوسهم لو لم يعطوا من الغنيمة، فأعطيهم تأليفاً لقلوبهم، وتطييباً لنفوسهم،"وأكِلُ أقواماً إلى ما جعل الله في قلوبهم من الغنى"أي: وأترك أقواماً فلا أعطيهم لأني أكلُهُمْ إلى ما وضع الله في قلوبهم من القناعة وغنى النفس،"والخير"أي وقوة الإِيمان واليقين"فيهم عمرو بن تغلب، فوالله ما أحب أنّ لي بكلمة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - حمر النعم"أي: فقال عمرو: أقْسم بالله لا أرضى بهذا الثناء الذي كرّمني به النبي - صلى الله عليه وسلم - بديلاً ولو أعطيت أنفس أموال العرب التي هي الجمال الحمر. منار القاري شرح مختصر صحيح البخاري (2/ 253)