فهرس الكتاب
وهذا الدين كله بتكاليفه وعباداته وشرائعه ملحوظ فيه فطرة الإنسان وطاقته. ملحوظ فيه تلبيته تلك الفطرة. وإطلاق هذه الطاقة، والاتجاه بها إلى البناء والاستعلاء. فلا تبقى حبيسة كالبخار المكتوم. ولا تنطلق انطلاق الحيوان الغشيم! [1]
وعَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عَنِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -،قَالَ: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَبَشِّرُوا، وَلاَ تُنَفِّرُوا» متفقٌ عليه [2]
وعَنْ أَبِي التَّيَّاحِ، قَالَ: سَمِعْتُ أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «يَسِّرُوا وَلاَ تُعَسِّرُوا، وَسَكِّنُوا وَلاَ تُنَفِّرُوا» [3]
(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:3169)
(2) - صحيح البخاري (1/ 25) (69) وصحيح مسلم (3/ 1359) 8 - (1734)
[ش (بشروا) من البشارة وهي الإخبار بالخير. (ولا تنفروا) بذكر التخويف وأنواع الوعيد]
(3) - صحيح البخاري (8/ 30) (6125) وصحيح مسلم (3/ 1359) 8 - (1734)
[ش (يسروا) أمر بالتيسير وهو الأخذ بما هو أسهل لينشط الناس في العمل. (سكنوا) من التسكين ضد التحريك والمراد إدخال الطمأنينة والهدوء على النفس]
قَالَ الشَّيْخُ: مَعْنَى قَوْلِهِ - صلى الله عليه وسلم: «يَسِّرُوا» إِنْ شَاءَ اللَّهُ أَيِ: اصْرِفُوا وُجُوهَ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي الرَّغْبَةِ إِلَيْهِ، وَرُدُّوهُمْ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَرُدُّوهُمْ فِي جَمِيعِ أَحْوَالِهِمْ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَإِنَّ الْيُسْرَ كُلَّهُ عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى {يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ} [البقرة:185] ،وَقَالَ {مَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ} [المائدة:6] . «وَلَا تُعَسِّرُوا» أَيْ: لَا تَرُدُّوهُمْ إِلَى الْمَخْلُوقِينَ فِي طَلَبِ الْحَوَائِجِ مِنْهُمْ، وَقَضَائِهَا مِنْ عِنْدِهِمْ، فَإِنَّهُمْ مُحْتَاجُونَ إِلَى مِثْلِ مَا يُحْتَاجُ إِلَيْهِمْ فِيهِ، فَكَأَنَّهُمْ يَتَجَاذَبُونَ شَيْئًا بَيْنَهُمْ كُلٌّ يُرِيدُهُ لِنَفْسِهِ، فَيَعْسَرُ عَلَيْكُمُ الْوُصُولُ إِلَى مَا يَتَجَاذَبُونَهُ بَيْنَكُمْ. وَقَوْلُهُ: «سَكِّنُوا» تَصْدِيقًا لِمَا قُلْنَا بِأَنَّ السُّكُونَ هُوَ الطُّمَأْنِينَةُ، وَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} [الرعد:28] ،فَلَا يَزَالُ قَلْبُ الْمُؤْمِنِ فِي اضْطِرَابٍ فِي نِيلِ مَا يَرْجُوهُ، وَكَذَلِكَ مَا يُرِيدُهُ حَتَّى يَرُدَّ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، فَهُنَاكَ يَسْكُنُ اضْطِرَابُهُ ضَرُورَةً وَاخْتِيَارًا. وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ: «لَا تُنَفِّرُوا» أَيْ: لَا تُفَرِّقُوهُمْ فِي دَلَالَتِهِمْ عَلَى غَيْرِ اللَّهِ، وَرَدِّهِمْ إِلَى مَنْ سَوَاهُ، فَيَتَفَرَّقُ بِهِمُ الْمَذَاهِبُ، وَيَخْتَلِفُ عَلَيْهِمُ الْمَسَالِكُ وَالطُّرُقُ فِي طَلَبِ مَا يُرِيدُونَهُ فَالتَّنَافُرُ فُرْقَةٌ، وَالسُّكُونُ جَمْعٌ، فَكَانَ مَعْنَى قَوْلِهِ: يَسِّرُوا، أَيْ: رُدُّوهُمْ إِلَى الْيُسْرِ [ص:43] ،وَلَا تُعَسِّرُوا، أَيْ: لَا تَرُدُّوهُمْ إِلَى الْعُسْرِ، وَسَكِّنُوا: أَيِ اجْمَعُوهُمْ، وَلَا تُنَفِّرُوا أَيْ: لَا تُفَرِّقُوهُمْ، قَالَ النَّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم: «مَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ الدُّنْيَا شَتَّتَ اللَّهُ عَلَيْهِ أَمْرَهُ، وَمَنْ أَصْبَحَ وَهَمُّهُ الْآخِرَةُ جَمَعَ اللَّهُ لَهُ شَمْلَهُ» ،هَذَا فِيمَنْ أَرَادَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ، فَمَا ظَنُّكَ فِيمَنْ أَرَادَ بِهِمَا. يَدُلُّ عَلَى صِحَّةِ هَذَا التَّأْوِيلِ مَا جاء عَنْ عَائِشَةَ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا قَالَتْ: مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَمْرَيْنِ، إِلَّا اخْتَارَ الَّذِي هُوَ أَيْسَرُ"يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مَعْنَاهُ: اخْتَارَ الَّذِي هُوَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَأَنَّهُ إِذَا اخْتَارَ مَا أَرَادَ اللَّهُ تَعَالَى فَقَدِ اخْتَارَ الْيُسْرَ؛ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يُرِيدُ الْيُسْرَ"بحر الفوائد المسمى بمعاني الأخبار للكلاباذي (ص:42)