فهرس الكتاب
هَلَكْتُ (مَا شَأْنُكُمْ) :بِالْهَمْزَةِ وَيُبْدَلُ، أَيْ: مَا حَالُكُمْ وَأَمْرُكُمْ (تَنْظُرُونَ إِلَيَّ) :نَظَرَ الْغَضَبِ (فَجَعَلُوا) ،أَيْ: شَرَعُوا (يَضْرِبُونَ بِأَيْدِيهِمْ) ،أَيْ: زِيَادَةً فِي الْإِنْكَارِ عَلَيَّ (عَلَى أَفْخَاذِهِمْ) :وَفِيهِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْفِعْلَ الْقَلِيلَ لَا يُبْطِلُ الصَّلَاةَ، (فَلَمَّا رَأَيْتُهُمْ) ،أَيْ: عَلِمْتُهُمْ (يُصَمِّتُونَنِي) :بِتَشْدِيدِ الْمِيمِ، أَيْ: يُسَكِّتُونِي غَضِبْتُ وَتَغَيَّرْتُ، قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ يَأْمُرُونِي بِالصَّمْتِ عَجِبْتُ لِجَهْلِي بِقُبْحِ مَا ارْتَكَبْتُ وَمُبَالَغَتِهِمْ فِي الْإِنْكَارِ عَلَيَّ (لَكِنِّي سَكَتُّ) ،أَيْ: سَكَتُّ وَلَمْ أَعْمَلْ بِمُقْتَضَى الْغَضَبِ قَالَهُ الطِّيبِيُّ، أَوْ سَكَتُّ امْتِثَالًا لِأَنَّهُمْ أَعْلَمُ مِنِّي، وَلَمْ أَعْمَلْ بِمُقْتَضَى غَضَبِي، وَلَمْ أَسْأَلْ عَنِ السَّبَبِ، (فَلَمَّا صَلَّى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -) :جَوَابُهُ قَالَ:"إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ"وَقَوْلُهُ: فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي إِلَى قَوْلِهِ قَالَ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ لَمَّا وَجَوَابِهِ، وَالْفَاءُ فِيهِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ فَلَا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقَائِهِ وَجَعَلْنَاهُ هُدًى لِبَنِي إِسْرَائِيلَ} [السجدة:23] فَإِنَّهُ عَطَفَ"وَجَعَلْنَاهُ"عَلَى"آتَيْنَا"،وَأَوْقَعَهَا مُعْتَرِضَةً بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ كَذَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ، وَتَبِعَهُ ابْنُ حَجَرٍ وَقَالَ: وَاعْتُرِضَ بَيْنَهُمَا بِمَا فِيهِ غَايَةُ الِالْتِئَامِ وَالْمُنَاسَبَةُ لَهُمَا، وَفِي كَوْنِ الْآيَةِ نَظِيرًا لِلْحَدِيثِ نَظَرٌ ظَاهِرٌ، وَقَالَ مِيرَكُ: الْأَوْلَى أَنْ يُقَالَ جَوَابُ قَوْلِهِ: فَلَمَّا صَلَّى مَحْذُوفٌ وَهُوَ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ جُمْلَةُ (- فَبِأَبِي هُوَ وَأُمِّي - مَا رَأَيْتُ مُعَلِّمًا قَبْلَهُ وَلَا بَعْدَهُ أَحْسَنَ تَعْلِيمًا مِنْهُ) ،أَيِ: اشْتَغَلَ بِتَعْلِيمِي بِالرِّفْقِ وَحَسَنِ الْكَلَامِ. تَمَّ كَلَامُهُ، وَضَمِيرُهُ هُوَ يَعُودُ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -،أَيْ: مُفَدًّى بِهِمَا، وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ الْهُمَامِ:"فَلَمَّا صَلَّى دَعَانِي ("فَوَاللَّهِ مَا كَهَرَنِي) ،أَيْ: مَا قَهَرَنِي وَزَجَرَنِي، قَالَ الطِّيبِيُّ: الْكَهْرُ وَالْقَهْرُ وَالنَّهْرُ أَخَوَاتٌ، وَفِي النِّهَايَةِ يُقَالُ: كَهَرَهُ إِذَا زَبَرَهُ وَاسْتَقْبَلَهُ بِوَجْهٍ عَبُوسٍ (وَلَا ضَرَبَنِي، وَلَا شَتَمَنِي) :أَرَادَ نَفْيَ أَنْوَاعِ الزَّجْرِ وَالْعُنْفِ وَإِثْبَاتَ كَمَالِ الْإِحْسَانِ وَاللُّطْفِ، (قَالَ) :جَوَابُ لَمَّا عَلَى مَا قَالَهُ الطِّيبِيُّ وَاسْتِئْنَافٌ مُبَيِّنٌ لِحُسْنِ التَّعْلِيمِ عَلَى مُخْتَارِ غَيْرِهِ ("إِنَّ هَذِهِ الصَّلَاةَ") :إِشَارَةٌ إِلَى جِنْسِ الصَّلَاةِ ("لَا يَصْلُحُ فِيهَا شَيْءٌ مِنْ كَلَامِ النَّاسِ") .
قَالَ الْقَاضِي: أَضَافَ الْكَلَامَ إِلَى النَّاسِ لِيَخْرُجَ مِنْهُ الدُّعَاءُ وَالتَّسْبِيحُ وَالذِّكْرُ، فَإِنَّهُ لَا يُرَادُ بِهَا خِطَابُ النَّاسِ وَإِفْهَامُهُمْ، قَالَ النَّوَوِيُّ: وَفِيهِ أَنَّ مَنْ حَلَفَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ فَسَبَّحَ أَوْ كَبَّرَ أَوْ قَرَأَ الْقُرْآنَ - لَا يَحْنَثُ، وَفِي شَرْحِ السُّنَّةِ، لَا يَجُوزُ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ فِي الصَّلَاةِ، فَمَنْ فَعَلَ بَطَلَتْ صَلَاتُهُ، وَفِيهِ أَنَّ كَلَامَ الْجَاهِلِ بِالْحُكْمِ لَا يُبْطِلُهَا إِذْ لَمْ يَأْمُرْهُ بِإِعَادَةِ الصَّلَاةِ، وَعَلَيْهِ أَكْثَرُ الْعُلَمَاءِ