فهرس الكتاب

الصفحة 1311 من 1902

ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم .. لا لأنهم عبدوهم. ولكن لأنهم أحلوا لهم الحلال، وحرموا عليهم الحرام فاتبعوهم! ولا يتسامح هذا التسامح في وصف جماعة من المنافقين بأنهم مؤمنون. لأنهم شهدوا أن لا إله إلا الله، وأن محمدا رسول الله. ثم بقوا في دار الكفر، يناصرون أعداء المسلمين!

ذلك أن التسامح هنا ليس تسامحا. إنما هو تميع. والإسلام عقيدة التسامح. ولكنه ليس عقيدة «التميع» .إنه تصور جاد. ونظام جاد. والجد لا ينافي التسامح. ولكنه ينافي التميع. وفي هذه اللفتات واللمسات من المنهج القرآني للجماعة المسلمة الأولى، بيان، وبلاغ .. [1]

والواجب على ولاة الأمر أن يتصدوا للغزو الفكري، وأن يطهروا البلاد من آثاره في التعليم، ووسائل الاعلام وغيرها، وأن يبينوا للمسلمين مخططات الأعداء وأساليب كيدهم، لكي تكون جلية واضحة للمسلمين حتى يحذروها، وقد قال تعالى: {وَكَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ} [الأنعام:55]

وَبِمِثْلِ ذَلِكَ البَيَانِ الوَاضِحِ نُوَضِّحُ الدَلائِلَ المُتَنَوِّعَةَ لِيَظْهَرَ طَريقُ الحَقِّ الذِي يَسْلُكُهُ المُؤْمِنُونَ، وَيُبَيِنَ طَرِيقَ الضَّلالِ الذِي يَسْلُكُهُ الكَافِرُونَ. [2]

«وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ» .. بمثل هذا المنهج، وبمثل هذه الطريقة، وبمثل هذا البيان والتفصيل .. نفصل الآيات، التي لا تدع في هذا الحق ريبة ولا تدع في هذا الأمر غموضا ولا تبقى معها حاجة لطلب الخوارق فالحق واضح، والأمر بين، بمثل ذلك المنهج الذي عرض السياق القرآني منه ذلك النموذج ..

على أن كل ما سبق في السورة من تفصيل لدلائل الهدى وموحيات الإيمان ومن بيان للحقائق وتقرير للوقائع، يعتبر داخلا في مدلول قوله تعالى: «وَكَذلِكَ نُفَصِّلُ الْآياتِ» ..

أما ختام هذه الآية القصيرة: «وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ» ..

فهو شأن عجيب! .. إنه يكشف عن خطة المنهج القرآني في العقيدة والحركة بهذه العقيدة! إن هذا المنهج لا يعنى ببيان الحق وإظهاره حتى تستبين سبيل المؤمنين الصالحين فحسب. إنما يعنى

(1) - في ظلال القرآن للسيد قطب-ط1 - ت- علي بن نايف الشحود (ص:1086)

(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:845،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت