فهرس الكتاب
وقد وصف الله تعالى الكفار عند سماع آيات الله تعالى أو عند دعوتهم إلى الإيمان بالإعراض والهجر والنفور وغيرها من الصفات، فقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآيَاتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْهَا إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ} [السجدة:22] .
وَلاَ أَحَدَ أَكْثَرُ ظُلْماً مِنْ إِنسَانٍ ذَكَّرَهُ اللهُ تَعَالى بآياتِهِ، وَبَيَّنَها لَهُ وَوَضَّحَها، ثُمَّ جَحَدَها وَأَعْرَضَ عَنْها وَتَنَاسَاهَا كَأَنَّهُ لَمْ يَسْمَعْهَا، وَلَمْ يَعْرِفْها. وَيَقُولُ اللهُ تَعَالى إِنَّهُ سَيْنَتَقِمُ مِنَ المُجْرِمينَ الذينَ كَفَروا واجتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَشَدَّ الانْتِقَامِ. [1]
المراد بالاستفهام هنا النفي .. أي أنه لا أحد أكثر ظلما من ذلك الذي تعرض عليه آيات الله ليهتدى بها، ثم يعرض عنها ..
وفي قوله تعالى: «ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ» إشارة إلى أن آيات الله التي يتلوها الرسول على الناس إنما هى لتذكرهم بما نسوه من الإيمان الذي كان في فطرتهم .. فلما أهملوا فطرتهم، وأفسدوها بما ساقوا إليها من آفات الهوى والضلال، لم يعودوا يذكرون شيئا من هذا الإيمان، فكانت بعثة الرسول بآيات الله يتلوها عليهم تذكيرا لهم، بأصل فطرتهم، وإيقاظا لهم من غفلتهم .. ومن أجل هذا، فقد كانوا أظلم الظالمين، لأنهم ظلموا أنفسهم مرتين، ظلموها أولا بإطفاء جذوة الإيمان التي أودعها الله فطرتهم، وظلموا أنفسهم ثانيا، إذ أبوا أن يستجيبوا لمن يدعوهم إلى تعاطى الدواء الذي يشفى هذا الداء الذي مكنوه منهم، فأفسد فطرتهم ..
-وفي قوله تعالى: «إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ» .هو تهديد ووعيد لهؤلاء المعرضين عن آيات الله، وأنهم في معرض الانتقام من الله، لأنهم مجرمون، ظالمون .. مجرمون في حق أنفسهم، ظالمون بإعراضهم عن الخير الممدود إليهم. [2]
أي: لا أحد أظلم، وأزيد تعديًا، ممن ذكر بآيات ربه، التي أوصلها إليه ربه، الذي يريد تربيته، وتكميل نعمته على أيدي رسله، تأمره، وتذكره مصالحه الدينية والدنيوية، وتنهاه عن مضاره الدينية والدنيوية، التي تقتضي أن يقابلها بالإيمان والتسليم، والانقياد والشكر، فقابلها هذا
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:3406،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (11/ 625)