فهرس الكتاب

الصفحة 1332 من 1902

وفى النظرة الحاسدة شاء من هذا، فإنها ترمى المحسود، في غفلة منه، فتصيب منه مقتلا .. لأنها نظرة منطلقة من قلب يغلى كمدا، وحسرة، على ما بيد المحسود من نعمة الله.

وليس هذا ما لقدرة العين وسلطانها في الإنسان وحده، بل إنها عند كثير من الحيوانات تكون سلاحا عاملا في الصراع الدائر بينها ..

فالحيّة، كثيرا ما تجد في نفسها القدرة على إصابة عدوّها بنظرة منها، فإذا أرسلت إلى عدوها نظرة والتقت عينه بعينها، شلت حركته وجمد في مكانه، وربّما مات قبل أن تصل إليه .. !

فالصبر الذي يدعى إليه النبىّ من ربه، هو في تلك الحال، التي بلغت فيه عداوة القوم له غايتها، بما يرمونه به من نظرات ملتهبة، حين يسمعون آيات الله تتلى عليهم .. وليس هذا النظر المشحون بسموم العداوة وحسب، بل إنهم يرمونه مع هذا بسهام أخرى من أفواههم، كقولهم: مجنون، وساحر ...

وقوله تعالى: «وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ» .. هو رد على هذه التهمة الفاجرة الظالمة التي تنطلق بها أفواه هؤلاء المشركين، وهو تثبيت للنبى في موقفه، وإلفات له إلى ما بين يديه من آيات القرآن الكريم، الذي هو ذكر للعالمين، وحياة مجددة للناس، جيلا بعد جيل، وإنه لا ذكر، ولا قدر لمن فاته الاتصال بهذا الكتاب، وتلقّى عنه، وقطع مسيرة الحياة في ظله، وهذا مثل قوله سبحانه وتعالى: «وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْئَلُونَ» (44:الزخرف) . [1]

فهذه النظرات تكاد تؤثر في أقدام الرسول - صلى الله عليه وسلم - فتجعلها تزل وتزلق وتفقد توازنها على الأرض وثباتها! وهو تعبير فائق عما تحمله هذه النظرات من غيظ وحنق وشر وحسد ونقمة وضغن، وحمى وسم .. مصحوبة هذه النظرات المسمومة المحمومة بالسب القبيح، والشتم البذيء، والافتراء الذميم: «وَيَقُولُونَ: إِنَّهُ لَمَجْنُونٌ» .. وهو مشهد تلتقطه الريشة المبدعة وتسجله من مشاهد الدعوة العامة في مكة. فهو لا يكون إلا في حلقة عامة بين كبار المعاندين المجرمين، الذين ينبعث من قلوبهم وفي نظراتهم كل هذا الحقد الذميم المحموم! يعقب عليه بالقول الفصل الذي ينهي كل قول: «وَما هُوَ إِلَّا ذِكْرٌ لِلْعالَمِينَ» .والذكر لا يقوله مجنون، ولا يحمله مجنون .. وصدق الله وكذب المفترون ..

(1) - التفسير القرآني للقرآن (15/ 1119)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت