فهرس الكتاب

الصفحة 1335 من 1902

فَاسْتَخَفَّ فِرَعَوْنُ عُقُولَ قَوْمِهِ بِهَذِهِ الحُجَجِ الوَاهِيةِ، وَدَعَاهُمْ إِلَى الضَّلاَلَةِ فَاسْتَجَابُوا لَه طَائِعِينَ، لأَنَّهُمْ كَانُوا قَوْماً غَاوِينَ ضَالّينَ، خَارِجِينَ عَنْ طَاعَةِ اللهِ تَعَالَى. فَلَمَّا أَغْضَبُونَا بِعِنَادِهِمْ وَاسْتِكْبَارِهِمْ وَبَغْيِهِمْ فِي الأَرْضِ انْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَعَجَّلَنَا لَهُم العُقُوبَةَ، وَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ. [1]

أي أن فرعون استخف بعقول قومه، واستصغر أحلامهم، فتحدث إليهم بهذا الحديث الذي لا يقبله عقل، ولا يستسيغه عاقل .. ومع هذا فقد تلقاه القوم بالتسليم والطاعة، ولم يقم من بينهم قائم ينكر هذا القول المنكر، ويسفه هذا المنطق السفيه .. «إِنَّهُمْ كانُوا قَوْماً فاسِقِينَ .. » أي كانوا على ما كان عليه فرعون من سفاهة، وجهل، فراجت عندهم هذه البضاعة الفاسدة! وهكذا يستغلظ الضلال، وتنتشر سحبه القائمة في المواطن التي تقبل الباطل، وتستجيب له .. تماما كالبرك والمستنقعات، تتداعى عليها الهوامّ والحشرات، وتتوالد وتتكاثر في أعداد لا تعدّ ولا تحصى ..

وإنها ليست مسئولية داعية الضلال وحده، بل هى كذلك مسئولية .. الذين يستجيبون له، ولا ينكرون عليه المنكر الذي يدعوهم إليه .. ومن هنا كان الأمر بالمعروف، والنهى عن المنكر مسئولية منوطة بكل مجتمع إنسانىّ، في أفراده وجماعاته، إذ كانت الجماعة أشبه بالجسد، فيما يعرض له من عوارض العلل والآفات .. فأى عضو في الجماعة، يعرض له عارض من عوارض الفساد، يهدد الجماعة كلها بتلك الآفة، التي إن لم تجد من يطبّ له منها، سرت عدواها في المجتمع كله، وتهددت وجوده .. قوله تعالى: «فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْناهُمْ أَجْمَعِينَ» .وهكذا كانت عاقبة الجماعة كلها .. داعية الضلال، ومن ضلّ بضلاله .. لقد أخذهم الله جميعا بعذابه، فأغرقهم كما أغرق فرعون ..

وفى قوله تعالى: «فَلَمَّا آسَفُونا انْتَقَمْنا مِنْهُمْ» .. إشارة إلى أن الله سبحانه وتعالى، قد أمهل هؤلاء الضالين، ومدّ لهم في ضلالهم، حتى يكون لهم فسحة من الوقت، يراجعون فيها أنفسهم، ويعدّلون موقفهم المنحرف ..

فلما لم يكن لهم في هذا الإمهال، وفى تلك المطاولة، إلا الإمعان في الضلال، والإسراف في العناد- أخذهم الله بذنوبهم، ولم يكن لهم من دون الله من ولى ولا نصير. فقوله تعالى: «آسَفُونا» أي أسخطونا عليهم .. والله سبحانه وتعالى «حليم» فلا يغضب الله إلا على من أخذه بحمله ثم

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4258،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت