فهرس الكتاب
الدُّخَانِ: إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - دَعَا قُرَيْشًا إِلَى الإِسْلاَمِ، فَأَبْطَئُوا عَلَيْهِ، فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعِنِّي عَلَيْهِمْ بِسَبْعٍ كَسَبْعِ يُوسُفَ» فَأَخَذَتْهُمْ سَنَةٌ فَحَصَّتْ كُلَّ شَيْءٍ، حَتَّى أَكَلُوا المَيْتَةَ وَالجُلُودَ، حَتَّى جَعَلَ الرَّجُلُ يَرَى بَيْنَهُ وَبَيْنَ السَّمَاءِ دُخَانًا مِنَ الجُوعِ، قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: {فَارْتَقِبْ يَوْمَ تَأْتِي السَّمَاءُ بِدُخَانٍ مُبِينٍ يَغْشَى النَّاسَ هَذَا عَذَابٌ أَلِيمٌ} [الدخان:11] ،قَالَ: فَدَعَوْا: {رَبَّنَا اكْشِفْ عَنَّا العَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ، أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى، وَقَدْ جَاءَهُمْ رَسُولٌ مُبِينٌ، ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ، وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَجْنُونٌ، إِنَّا كَاشِفُو العَذَابِ قَلِيلًا، إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} [الدخان:12] أَفَيُكْشَفُ العَذَابُ يَوْمَ القِيَامَةِ؟ قَالَ: فَكُشِفَ ثُمَّ عَادُوا فِي كُفْرِهِمْ، فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ يَوْمَ بَدْرٍ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {يَوْمَ نَبْطِشُ البَطْشَةَ الكُبْرَى إِنَّا مُنْتَقِمُونَ} [الدخان:16] رواهُ البخاري [1] .
(1) - صحيح البخاري (6/ 125) (4809) وصحيح مسلم (2/ 994) 467 - (1370)
[ش (يغشى الناس) يغيظهم ويعمهم. (أنى لهم الذكرى) من أين لهم أن ينفعهم الإيمان عند نزول العذاب. (مبين) بين الرسالة والدعوة يحذرهم من العذاب / الدخان 10،16 /]
(قَالَ: يَا أَيُّهَا النَّاسُ!) :يَشْمَلُ الْعُلَمَاءَ وَغَيْرَهُمْ (مَنْ عَلِمَ شَيْئًا) :مِنْ عُلُومِ الدِّينِ فَسَأَلَهُ عَنْهُ مَنْ هُوَ مُتَأَهِّلٌ لِفَهْمِ جَوَابِهِ (فَلْيَقُلْ بِهِ) :أَيْ: بِذَلِكَ الشَّيْءِ الْمَعْلُومِ لِوَخِيمِ عَذَابِ سَتْرِهِ وَلِعَظِيمِ ثَوَابِ نَشْرِهِ (وَمَنْ لَمْ يَعْلَمْ فَلْيَقُلْ) :أَيْ: فِي الْجَوَابِ (اللَّهُ أَعْلَمُ) :كَمَا قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ {لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا} [البقرة:32] وَلَا يَسْتَحْيِي فِي نَفْيِ الْعِلْمِ عَنْ نَفْسِهِ، فَإِنَّ جَهْلَ الْإِنْسَانِ أَكْثَرُ مِنْ عِلْمِهِ، قَالَ تَعَالَى: {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [الإسراء:85] فَمَعْنَاهُ: اللَّهُ أَكْثَرُ عِلْمًا. وَقَالَ ابْنُ حَجَرٍ: أَعْلَمُ بِمَعْنَى عَالِمٍ لِاسْتِحَالَةِ الْمُشَارَكَةِ. قُلْتُ: الْمُشَارَكَةُ الِاسْتِقْلَالِيَّةُ هِيَ الْمُسْتَحِيلَةُ، وَذَكَرَ الزَّمَخْشَرِيُّ، فِي الْأَبْرَارِ أَنَّ عَلِيًّا - كَرَّمَ اللَّهُ وَجْهَهُ - سُئِلَ عَنْ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى الْمِنْبَرِ؟ فَقَالَ: لَا أَدْرِي: فَقِيلَ: كَيْفَ تَقُولُ لَا أَدْرِي وَأَنْتَ طَلَعْتَ فَوْقَ الْمِنْبَرِ؟ فَقَالَ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:إِنَّمَا طَلَعْتُ بِقَدْرِ عِلْمِي، وَلَوْ طَلَعْتُ بِمِقْدَارِ جَهْلِي لَبَلَغْتُ السَّمَاءَ (فَإِنَّ مِنَ الْعِلْمِ) :أَيْ: مِنْ آدَابِهِ الْوَاجِبِ رِعَايَتُهَا وُجُوبًا عَيْنِيًّا مُتَأَكِّدًا عَلَى كُلِّ مَنْ نُسِبَ لِلْعِلْمِ أَوِ التَّقْدِيرِ، فَإِنَّهُ مِنْ جُمْلَةِ الْعِلْمِ وَهُوَ خَبَرُ إِنَّ وَاسْمُهُ (أَنْ تَقُولَ لِمَا لَا تَعْلَمُ) :بِالْخِطَابِ فِيهِمَا، وَقِيلَ: بِالْغَيْبَةِ أَيْ لِأَجْلِهِ أَوْ عَنْهُ (وَاللَّهُ أَعْلَمُ) .أَيْ: وَنَحْوُهُ. قَالَ الْأَبْهَرِيُّ: فَإِنَّ تَمْيِيزَ الْمَعْلُومِ مِنَ الْمَجْهُولِ نَوْعٌ مِنَ الْعِلْمِ وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِمَا قِيلَ: لَا أَدْرِي نِصْفُ الْعِلْمِ.
وَيُقَالُ لِمَنْ لَيْسَ لَهُ هَذَا التَّمْيِيزُ جَهْلُهُ مُرَكَّبٌ، وَمِنْ ثَمَّ اشْتَدَّ خَوْفُ السَّلَفِ مِنَ الْإِفْتَاءِ فَكَثُرَ امْتِنَاعُهُمْ مِنْهُ حَتَّى أَنَّ مَالِكًا سُئِلَ عَنْ أَرْبَعِينَ مَسْأَلَةً فَأَجَابَ عَنْ أَرْبَعَةٍ: وَقَالَ فِي سِتٍّ وَثَلَاثِينَ: لَا أَدْرِي. ثُمَّ اسْتَدَلَّ ابْنُ مَسْعُودٍ لِمَا ذَكَرَهُ مِنَ امْتِنَاعِ التَّكَلُّفِ وَالتَّصَنُّعِ فِي الْجَوَابِ الْمُؤَدِّي إِلَى الْإِفْتَاءِ بِالْبَاطِلِ بِقَوْلِهِ: (قَالَ اللَّهُ تَعَالَى لِنَبِيِّهِ) وَهُوَ أَعْلَمُ الْخَلْقِ: {قُلْ مَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ} [ص:86] :أَيْ: عَلَى التَّبْلِيغِ (مِنْ أَجْرٍ) :أَيْ: آخُذُهُ مِنْكُمْ {وَمَا أَنَا مِنَ الْمُتَكَلِّفِينَ} [ص:86] :أَيْ: مِنَ الَّذِينَ يَتَصَنَّعُونَ وَيَتَحَلَّوْنَ بِمَا لَيْسُوا مِنْ أَهْلِهِ، كَذَا قَالَهُ مِيرَكُ شَاهْ، وَمِنْ ثَمَّ لَمَّا سُئِلَ الصِّدِّيقُ عَنِ الْأَبِّ فِي: {وَفَاكِهَةً وَأَبًّا} [عبس:31] قَالَ: أَيُّ سَمَاءٍ تُظِلُّنِي وَأَيُّ أَرْضٍ تُقِلُّنِي إِذَا قُلْتُ فِي كِتَابِ اللَّهِ مَا لَا عِلْمَ لِي بِهِ (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (1/ 335)