فهرس الكتاب
راح يناشد فيها وجدان السماحة والعفو - عفو القادر على القصاص: «فَمَنْ تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ» من تصدق بالقصاص متطوعا .. سواء كان هو ولي الدم في حالة القتل (والصدقة تكون بأخذ الدية مكان القصاص، أو بالتنازل عن الدم والدية معا وهذا من حق الولي، إذ العقوبة والعفو متروكان له ويبقى للإمام تعزير القاتل بما يراه) أو كان هو صاحب الحق في حالة الجروح كلها، فتنازل عن القصاص .. من تصدق فصدقته هذه كفارة لذنوبه يحط بها الله عنه.
وكثيرا ما تستجيش هذه الدعوة إلى السماحة والعفو، وتعليق القلب بعفو الله ومغفرته. نفوسا لا يغنيها العوض المالي ولا يسليها القصاص ذاته عمن فقدت أو عما فقدت .. فماذا يعود على ولي المقتول من قتل القاتل؟ أو ماذا يعوضه من مال عمن فقد؟ .. إنه غاية ما يستطاع في الأرض لإقامة العدل، وتأمين الجماعة .. ولكن تبقى في النفس بقية لا يمسح عليها إلا تعليق القلوب بالعوض الذي يجيء من عند الله ..
روى الإمام أحمد عَنْ أَبِي السَّفَرِ، قَالَ: كَسَرَ رَجُلٌ مِنْ قُرَيْشٍ سِنَّ رَجُلٍ مِنَ الأَنْصَارِ، فَاسْتَعْدَى عَلَيْهِ مُعَاوِيَةَ، فَقَالَ الْقُرَشِيُّ: إِنَّ هَذَا داَقٌّ سِنِّي، قَالَ مُعَاوِيَةُ: كَلاَّ إِنَّا سَنُرْضِيهِ، قَالَ: فَلَمَّا أَلَحَّ عَلَيْهِ الأَنْصَارِيُّ، قَالَ مُعَاوِيَةُ: شَأْنَكَ بِصَاحِبِكَ، وَأَبُو الدَّرْدَاءِ جَالِسٌ، فَقَالَ أَبُو الدَّرْدَاءِ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يَقُولُ: مَا مِنْ مُسْلِمٍ يُصَابُ بِشَيْءٍ فِي جَسَدِهِ، فَيَتَصَدَّقُ بِهِ، إِلاَّ رَفَعَهُ اللَّهُ بِهِ دَرَجَةً، وَحَطَّ عَنْهُ بِهَا خَطِيئَةً قَالَ: فَقَالَ الأَنْصَارِيُّ: أَأَنْتَ سَمِعْتَ هَذَا مِنْ رَسُولِ اللهِ - صلى الله عليه وسلم -؟ قَالَ: نَعَمْ، سَمِعَتْهُ أُذُنَايَ، وَوَعَاهُ قَلْبِي، يَعْنِي فَعَفَا عَنْهُ.".. [1] "
وهكذا رضيت نفس الرجل واستراحت بما لم ترض من مال معاوية الذي لوح له به للتعويض ..
وتلك شريعة الله العليم بخلقه وبما يحيك في نفوسهم من مشاعر وخواطر، وبما يتعمق قلوبهم ويرضيها ويسكب فيها الاطمئنان والسلام من الأحكام. وبعد عرض هذا الطرف من شريعة التوراة، التي صارت طرفا من شريعة القرآن، يعقب بالحكم العام:
(1) - مسند أحمد (عالم الكتب) - (8/ 894) (27534) 28084 - صحيح لغيره