فهرس الكتاب

الصفحة 1422 من 1902

ومن هنا كان التغيير والتبديل في المجتمعات الإنسانية، وكانت الحروب الدائرة بينها، وكانت هذه الانحرافات والضلالات في العقائد والمعاملات، من كفر بالله، وكذب، وغش، وخداع، ونفاق .. إلى غير ذلك مما تمتلاء به دنيا الناس من مساوئ ومقابح ..

وفي قوله تعالى: «ظَهَرَ الْفَسادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ» - إشارة إلى أن هذا الفساد طارئ على هذه الأرض، لم تكن تعرفه قبل ظهور الإنسان فيها ..

فلما ظهر الإنسان، ظهر الفساد .. وليس معنى هذا أن الإنسان هو عنصر الفساد في هذه الأرض، إذ لو كان ذلك كذلك، لما استحق أن يكون خليفة الله فيها .. ولكن هذا يشير إلى أن أصل الخلقة الموجودات كلها، ومنها الأرض، قائم على الصحة والسلامة، شأنها في هذا شأن الإنسان في أصل خلقه، وما أودع فيه الخالق- جل وعلا- من فطرة سليمة .. وكما أفسد كثير من الناس فطرتهم، أفسد الناس كذلك فطرة الطبيعة، واتخذوا كثيرا من أدواتها الصالحة النافعة أدوات للإفساد، والتدمير .. وإلى هذا المعنى يشير المتنبي بقوله:

كلّما أنبت الزمان قناة ... ركّب المرء في القناة سنانا

ومع هذا، فإنه لا ينكر فضل الإنسان وآثاره العظيمة في هذه الدنيا، وما أقام على وجه الأرض، من عمران، وما أحدث، من حضارات.

وقوله تعالى: «بِما كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ» - إشارة إلى أن هذا الفساد والاعوجاج الذي ظهر على هذه الأرض، هو مما كسبته أيدى الناس، فهو من صنعهم، ومن فعل إرادتهم الحرة .. ولهذا، فهم محاسبون عليه، مؤاخذون به .. فالباء هنا للسببية، أي بسبب ما كسبت أيديهم ...

وفي قوله تعالى: «لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا» - تقرير لتلك الحقيقة، وهى أن ما يعمله الناس، هو محسوب عليهم، مجزبّون به، من خير أو شر ...

وليس كذلك ما تعمله الكائنات الأخرى التي تعيش مع الناس على هذه الأرض .. إن ما تعمله لا إرادة لها فيه، شأنها في هذا شأن البذرة تدفن في الثرى، فيخرج منها ما في طبيعتها من زهر وثمر .. ومن هنا كانت مسئولية الإنسان عن كل عمل يعمله، ليذوق ثمر ما يعمل، حلوا كان أو

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت