فهرس الكتاب

الصفحة 1426 من 1902

مَعَ إِخْوَانِهِمُ الْعَرَبِ مِنَ الْمُجَدِّدِينَ لِلتَّوْحِيدِ وَالْفَضَائِلِ وَالْآدَابِ، وَالْمُحْيِينَ لِلْعُلُومِ وَالْفُنُونِ وَالْعُمْرَانِ؛ فَهَلْ يَعْتَبِرُ الْمُسْلِمُونَ بِذَلِكَ الْآنِ وَيَعُودُونَ إِلَى إِقَامَةِ الْقُرْآنِ، وَأَخْذِ الْحِكْمَةِ مِنْ حَيْثُ يَجِدُونَهَا، وَعُدَدِ الْإِصْلَاحِ وَالسِّيَادَةِ مِنْ حَيْثُ يَرَوْنَهَا، أَمْ يَفْتَئُونَ يَسْلُكُونَ سُنَنَ مَنْ قَبْلَهُمْ مَنْ طَوْرِ الْفَسَادِ وَالْإِفْسَادِ، شِبْرًا بِشِبْرٍ، وَذِرَاعًا بِذِرَاعٍ، وَمِنْهُ الْغُرُورُ بِدِينِهِمْ مَعَ عَدَمِ إِقَامَةِ كِتَابِهِ، وَالتَّبَجُّحِ بِفَضَائِلِ نَبِيِّهِمْ عَلَى تَرْكِهِمْ لِسُنَنِهِ وَآدَابِهِ؟!

عَنْ زِيَادِ بْنِ لَبِيدٍ الْأَنْصَارِيِّ، رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: أَتَيْتُ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وَهُوَ يُحَدِّثُ أَصْحَابَهُ وَهُوَ، يَقُولُ: «قَدْ ذَهَبَ أَوَانُ الْعِلْمِ» قُلْتُ: بِأَبِي وَأُمِّي، وَكَيْفَ يَذْهَبُ أَوَانُ الْعِلْمِ وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ وَنُعَلِّمُهُ أَبْنَاءَنَا وَيُعَلِّمُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى أَنَ تَقُومَ السَّاعَةُ؟ فَقَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ يَا ابْنَ لَبِيدٍ، إِنْ كُنْتُ لَأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، أَوَلَيْسَ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى يَقْرَءُونَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ وَلَا يَنْتَفِعُونَ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ؟» [1]

وَالشَّاهِدُ فِيهِ أَنَّ الْعِبْرَةَ بِالْعَمَلِ بِمَا فِي الْكُتُبِ الْإِلَهِيَّةِ، وَالِاهْتِدَاءِ بِهِدَايَتِهَا، وَقَدْ كَانَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي ذَلِكَ الْعَصْرِ أَبْعَدَ مَا كَانُوا عَنْ هِدَايَةِ دِينِهِمْ، مَعَ شِدَّةِ عَصَبِيَّتِهِمُ الْجِنْسِيَّةِ لَهُ، كَمَا هُوَ شَأْنُ الْمُسْلِمِينَ الْيَوْمَ، عَلَى أَنَّ عَصَبِيَّتَهُمُ الْجِنْسِيَّةَ لَهُ قَدْ ضَعُفَتْ أَيْضًا، وَاسْتَبْدَلَ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بِهَا جِنْسِيَّةَ اللُّغَةِ أَوِ الْوَطَنِ. [2]

إن هاتين الآيتين تقرران أصلا كبيرا من أصول التصور الإسلامي، ومن ثم فهما تمثلان حقيقة ضخمة في الحياة الإنسانية. ولعل الحاجة إلى جلاء ذلك الأصل، وإلى بيان هذه الحقيقة لم تكن ماسة كما هي اليوم والعقل البشري، والموازين البشرية، والأوضاع البشرية تتأرجح وتضطرب وتتوه بين ضباب التصورات وضلال المناهج، بإزاء هذا الأمر الخطير .. إن الله - سبحانه - يقول لأهل الكتاب - ويصدق القول وينطبق على كل أهل كتاب - إنهم لو كانوا آمنوا واتقوا لكفر عنهم سيئاتهم ولأدخلهم جنات النعيم - وهذا جزاء الآخرة. وإنهم لو كانوا حققوا في حياتهم الدنيا منهج الله الممثل في التوراة والإنجيل وما أنزله الله إليهم من التعاليم - كما أنزلها الله بدون تحريف ولا تبديل - لصلحت حياتهم الدنيا، ونمت وفاضت عليهم

(1) - المستدرك على الصحيحين للحاكم (3/ 681) (6500) صحيح

(2) - تفسير المنار (6/ 381)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت