فهرس الكتاب

الصفحة 1520 من 1902

سور القرآن الكريم به .. وإذا كان الأمر كذلك، فإنه لا بد أن يكون للحديد هنا شأن غير شأنه المعروف، بمعنى أن ذكره في مواجهة ذكر بعثة الرسل، وما يحملون من آيات الله وكلماته، لا بد أن يكون مقصودا لأكثر من معنى غير المعنى المعروف له ..

والذي وقع لمفهومنا من ذكر الحديد هنا- والله أعلم- هو أنه يشير إلى ما يحمل الرسل إلى الناس من وعد، ووعيد، ومن يد تمتد بالخير والنجاح، والسلامة لمن يستجيبون لهم، وينضوون تحت أجنحتهم، ويد تمتد بالبلاء، والهلاك لمن يلقونهم بالعناد، ويرجمونهم بالسفاهات والضلالات ..

فمع كل رسالة كل رسول من رسل الله، بشريات ومهلكات، بشريات للمؤمنين، ومهلكات للمكذبين، وفى أعقاب كل دعوة من دعوات الرسل حصاد كثير، بعضه للصون والحفظ، وبعضه للضياع والانحلال .. فالناس قبل بعثة الرسول إليهم يتركون لما هم فيه، من خير وشر، ومن هدّى وضلال، فإذا جاءهم رسول من رسل الله، وبلغهم رسالة ربه، قامت عليهم الحجة، وأخذوا بما أنذروا به، كما يقول سبحانه: «وَما كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولًا» (15:الإسراء) .

فآيات الله التي ينزلها للناس على يد رسله هى أشبه بالحديد، فيه بأس شديد ومنافع للناس .. ولهذا أشير إلى الحديد هنا بقوله تعالى: و «أَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ» فالحديد هنا هو البأس الذي ينزل مع آيات الله، وهو الزواجر التي تحلّ بالمكذبين المحاربين لله ولرسله .. والحديد أيضا هو هذا الخير الكثير الذي تتلقاه النفوس المهيأة للإيمان من آيات الله وكلماته المنزلة على الرسل .. وهذا لا يمنع من أن تبقى للحديد صفته المادية التي يعرف بها، فيتخذ منه فيما يتخذ أدوات الحرب للجهاد في سبيل الله، وأنه كما يجاهد الرسل والمؤمنون معهم، أعداء الله بألسنتهم، فإنهم يجاهدون بأيديهم، ويدفعون بغيهم وعدوانهم بسيوفهم. وقدّم ما في الحديد من بأس شديد على ما فيه من منافع، لأن أكثر ما تنجلى عنه دعوة رسل الله، هو هلاك الأكثرين، ونجاة القليلين. كما يقول سبحانه عن دعوة نوح عليه السلام: «وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ» (40:هود) وكما يقول سبحانه مخاطبا النبي الكريم. «وَما أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ» (103:يوسف) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت