فهرس الكتاب
إيمان، وقد يكون عن نفاق، ورياء، ومصادفة .. ولهذا فإن المعوّل عليه، هو ما في القلوب من إيمان، وما انعقدت عليه النيات من إخلاص .. فإذا صدقت القلوب وأخلصت النيات، صحت الأعمال، ووقعت موقع الرضا والقبول عند الله.
وقوله تعالى: «إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ» - إشارة إلى أن نصر المؤمنين لله، ولرسل الله، ليس لحاجة الله سبحانه إلى من ينصره وينصر رسله، فهو سبحانه القوى الذي لا يملك معه أحد قوة، وهو العزيز الذي يملك العزة جميعا، فلا يدخل على عزته- جل شأنه- ضيم أو جور، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا .. وأن ما يطلبه سبحانه من المؤمنين من نصره ونصر رسله، هو فضل من فضل الله على المؤمنين، إذ ندبهم لأمر هو في غنى عنه، وذلك لينالوا أجرا، وليكسبوا خيرا .. وهذا مثل قوله تعالى في دعوته إلى الإنفاق في سبيل الله، وفى التعقيب على هذا بقوله: «وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ» [1] .
فقوله تعالى: {وَأَنزْلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ} أي آلات الحرب والصناعات العسكرية بجميع أنواعها التي تصنع من الحديد، وقوله تعالى: {وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ} أي سائر الصناعات النافعة من آلات وسيارات وأواني وغيرها، ثم قال تعالى: {وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ} ،فأنزل الله تعالى الكتاب والحديد ابتلاءً للعباد حتى يتبين من ينصر الله تعالى ورسله عليهم الصلاة والسلام بالكتاب الهادي وبالسلاح الذي ينصر، فالكتاب يتضمن شرع الله والأوامر والنواهي، والجهاد يقيم شرع الله تعالى في الأرض وينصره، ولا تقوم دولة الإسلام إلا بالكتاب والجهاد، وهذا ما كان عليه نبينا - صلى الله عليه وسلم - وسار عليه صحابته رضي الله عنهم من بعده، ومن أراد نصرة الإسلام بغير هذا الطريق فقد ضل سواء السبيل.
فالرسالة واحدة في جوهرها، جاء بها الرسل ومعهم البينات عليها، ومعظمهم جاء بالمعجزات الخوارق. وبعضهم أنزل عليه كتاب. والنص يقول: «وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ» بوصفهم وحدة، وبوصف الكتاب وحدة كذلك، إشارة إلى وحدة الرسالة في جوهرها. «وَالْمِيزانَ» .. مع الكتاب. فكل الرسالات جاءت لتقر في الأرض وفي حياة الناس ميزانا ثابتا ترجع إليه البشرية، لتقويم الأعمال والأحداث والأشياء والرجال وتقيم عليه حياتها في مأمن من اضطراب
(1) - التفسير القرآني للقرآن (14/ 787)