فهرس الكتاب
جَاءَتْهُ كُلُّ آيةٍ. وَخَتَمَ اللهُ تَعَالَى عَلَى سَمْعِهِ فَأَصْبَحَ لاَ يَتَأَثَّر بما يُتلى عَلَيهِ مِنْ آيَاتِ اللهِ، وَخَتَم عَلَى قَلبِهِ فَلَم يَعُدْ يُبصِرُ حُجَجَ اللهِ وآيَاتِهِ، وَلَمْ يَعُدْ يَنْتَفِعُ بِها. فَمَنْ يَسْتَطِيعُ أن يُوَفِّقَ مِثْلَ هذَا الضَّالِّ، الخَاضِعِ لهوَاهُ، إِلى الهُدَى، وَإِصَابَةِ الحقِّ إِنْ لم يَهدِهِ اللهُ، أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ وَتُدْرِكُونَ؟ [1]
وقال تعالى: {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:43]
انْظُرْ إلى حَالِ الذي جَعَلَ هَوَاهُ إلهَهُ، بأَنْ أطَاعَهُ وبَنَى عليهِ أمرَ دِينهِ، وأعْرَضَ عن استماع الحَقِّ، والحُجَجِ، والبَراهِينِ الواضِحَةِ الدَّالَّةِ على وَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وعظيمِ قُدْرَتِه، واعْجَبْ منْهُ، ولا تَعْبَأْ بِهِ فإِنَّكَ لستَ حَفيظاً عليهِ، وليسَ عَلَيْكَ هُدَاهُ، وإِنّما عَليكَ إبلاغُهُ الرِّسَالَةَ، ثُمّ إِنْ شَاءَ اللهُ هَدَاه، وإِنْ شَاءَ أضَلَّهُ. [2]
يَعْنِي تَعَالَى ذِكْرُهُ: {أَرَأَيْتَ} [الكهف:63] يَا مُحَمَّدُ {مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ} [الفرقان:43] شَهْوَتَهُ الَّتِي يَهْوَاهَا؛ وَذَلِكَ أَنَّ الرَّجُلَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كَانَ يَعْبُدُ الْحَجَرَ، فَإِذَا رَأَى أَحْسَنَ مِنْهُ رَمَى بِهِ، وَأَخَذَ الْآخَرَ يَعْبُدُهُ، فَكَانَ مَعْبُودُهُ وَإِلَهُهُ مَا يَتَخَيَّرُهُ لِنَفْسِهِ؛ فَلِذَلِكَ قَالَ جَلَّ ثَنَاؤُهُ {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ، أَفَأَنْتَ تَكُونُ عَلَيْهِ وَكِيلًا} [الفرقان:43] يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: أَفَأَنْتَ تَكُونُ يَا مُحَمَّدُ عَلَى هَذَا حَفِيظًا فِي أَفْعَالِهِ مَعَ عَظِيمِ جَهِلِهِ؟ {أَمْ تُحْسَبُ} [الفرقان:44] يَا مُحَمَّدُ أَنَّ أَكْثَرَ هَؤُلَاءِ الْمُشْرِكِينَ {يَسْمَعُونَ} [البقرة:75] مَا يُتْلَى عَلَيْهِمْ، فَيَعُونَ {أَوْ يَعْقِلُونَ} [الفرقان:44] مَا يُعَايِنُونَ مِنْ حُجَجِ اللَّهِ فَيَفْهَمُونَ؟ {إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ} [الفرقان:44] يَقُولُ: مَا هُمْ إِلَّا كَالْبَهَائِمِ الَّتِي لَا تَعْقِلُ مَا يُقَالُ لَهَا، وَلَا تَفْقَهُ، بَلْ هُمْ مِنَ الْبَهَائِمِ أَضَلُّ سَبِيلًا؛ لِأَنَّ الْبَهَائِمَ تَهْتَدِي لِمَرَاعِيهَا، وَتَنْقَادُ لِأَرْبَابِهَا، وَهَؤُلَاءِ الْكَفَرَةُ لَا يُطِيعُونَ رَبَّهُمْ، وَلَا يَشْكُرُونَ نِعْمَةَ مَنْ أَنْعَمَ عَلَيْهِمْ، بَلْ يَكْفُرُونَهَا، وَيَعْصُونَ مَنْ خَلَقَهُمْ وَبَرَأَهُمْ. [3]
وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: قَوْلُهُ:" {أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ} [الفرقان:43] قَالَ: كَانَ الرَّجُلُ يَعْبُدُ الْحَجَرَ الْأَبْيَضَ زَمَانًا مِنَ الدَّهْرِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ، فَإِذَا وَجَدَ حَجَرًا أَحْسَنَ مِنْهُ يَعْبُدُ الْآخَرَ وَيَتْرُكُ الْأَوَّلَ"وَرُوِيَ عَنْ سَعِيدِ بْنِ جُبَيْرٍ نَحْوُ ذَلِكَ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:4375،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2780،بترقيم الشاملة آليا)
(3) - تفسير الطبري = جامع البيان ط هجر (17/ 459)