فهرس الكتاب

الصفحة 1609 من 1902

أَنْفُسِهِمْ مِنَ الأَفْكَارِ وَالآرَاءِ، وَاخْتِيَارِ مَا يَتَرَجَّحُ لَدَيْهِمْ. فَذَرْهُمْ يَا مُحَمَّدُ وَمَا يَتَقَوَّلُونَ وَمَا يَفْتَرُونَ وَيَبْتَدِعُونَ. [1]

والآيتان وغيرهما من الآيات تدل على أن مصدر قوانينهم وأنظمتهم وتشريعاتهم هو وحي الشياطين وتزيينهم.

قلت: ما ذهب إليه المؤلف رحمه الله فيه نظر كبير، فليس هناك من دليل شرعي معتبر يمنع من تقنين القوانين في دولة الإسلام، على نمط الدول الأخرى، بل الصواب استحباب ذلك إن لم نقل بوجوبه

ويكون على الشكل التالي:

ينص على ما أجمع عليه أهل العلم أولا، وهو خط أحمر غير قابل للنقاش، وأما ما اختلفوا فيه من أحكام شرعية، فيؤخذ من حيث المبدأ برأي الجمهور (الأغلبية) من الفقهاء، وإذا تساوت الأدلة فما كان فيه مصلحة عامة معتبرة يؤخذ به وهكذا، ولكن يكون ذلك مستنبطاً من المذاهب الأربعة وأتباعهم والظاهرية والشوكاني ونحوهم ممن هم أهل للاقتداء والفتوى .... ويمكن أن يراعى الأيسر على الناس إذا لم يوجد فيه نص صحيح صريح، فعَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّهَا قَالَتْ: «مَا خُيِّرَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ أَيْسَرَهُمَا، مَا لَمْ يَكُنْ إِثْمًا، فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ، وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِنَفْسِهِ إِلَّا أَنْ تُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ، فَيَنْتَقِمَ لِلَّهِ بِهَا» [2]

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:927،بترقيم الشاملة آليا)

(2) - صحيح البخاري (4/ 189) (3560) وصحيح مسلم (4/ 1813) 77 - (2327)

(أمرين) من أمور الدنيا ويمكن حمله على أمور الدنيا والدين. (إثما) أي ما يؤد الأيسر إلى معصية الله تعالى. (تنتهك حرمة الله) تتجاوز حدوده ويخالف أمره أو نهيه. (فينتقم لله بها) ينتصر لله تعالى بؤاخذة من ارتكبها بعقوبتها]

قَالَتْ: مَا خُيِّرَ) أَيْ: مَا جُعِلَ مُخَيَّرًا (رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - بَيْنَ أَمْرَيْنِ إِلَّا أَخَذَ) أَيِ: اخْتَارَ كَمَا فِي رِوَايَةِ التِّرْمِذِيِّ (أَيْسَرَهُمَا مَا لَمْ يَكُنْ) أَيِ: الْأَمْرُ الْأَيْسَرُ (إِثْمًا) أَيْ: ذَا إِثْمٍ. وَفِي رِوَايَةٍ. التِّرْمِذِيِّ مَا لَمْ يَكُنْ مَأْثَمًا أَيْ إِثْمًا أَوْ مَوْضِعَ إِثْمٍ بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ، أَوِ اسْمُ مَكَانٍ، وَإِلَى هُنَا انْتَهَتْ رِوَايَةُ التِّرْمِذِيِّ. (فَإِنْ كَانَ إِثْمًا كَانَ أَبْعَدَ النَّاسِ مِنْهُ) ،أَيْ: وَكَانَ حِينَئِذٍ يَأْخُذُ أَرْشَدَهُمَا وَلَوْ أَعْسَرَهُمَا وَأَشَدَّهُمَا. قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: أُبْهِمَ فَاعِلُ خَيْرٍ لِيَكُونَ أَعَمَّ مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنْ قِبَلِ الْمَخْلُوقِينَ، أَوْ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى، لَكِنَّ التَّخْيِيرَ يُبَيِّنُ مَا فِيهِ إِثْمٌ وَيُبَيِّنُ مَا لَا إِثْمَ فِيهِ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ مُشْكِلٌ، لِأَنَّ التَّخْيِيرَ بِمَا يَكُونُ بَيْنَ جَائِزٍ إِلَّا إِذَا حَمَلْنَا عَلَى مَا يُفْضِي إِلَى الْإِثْمِ، فَذَلِكَ مُمْكِنٌ بِأَنْ يُخَيَّرَ بَيْنَ أَنْ يُفْتَحَ عَلَيْهِ مِنْ كُنُوزِ الْأَرْضِ مَا يَخْشَى مِنَ الِاشْتِغَالِ بِهِ أَنْ لَا يَتَفَرَّغَ لِلْعِبَادَةِ، وَبَيْنَ أَنْ لَا يُؤْتِيَهِ لَا مِنَ الدُّنْيَا إِلَّا الْكَفَافَ، وَإِنْ كَانَ السَّعَةُ أَسْهَلَ فَالْإِثْمُ عَلَى هَذَا أَمْرٌ نِسْبِيٌّ لَا مَا يُرَادُ بِهِ الْخَطِيئَةُ لِثُبُوتِ الْعِصْمَةِ. (وَمَا انْتَقَمَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم -) أَيْ: مَا غَاضَبَ أَحَدًا لِنَفْسِهِ) أَيْ: لِأَجْلِ حَظِّهَا (فِي شَيْءٍ) أَيْ: يَتَخَلَّقُ بِنَفْسِهِ)،أَيْ أَبَدًا (إِلَّا أَنْ يُنْتَهَكَ حُرْمَةُ اللَّهِ) :بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَيْ يُرْتَكَبُ (فَيَنْتَقِمُ) :بِالرَّفْعِ وَفِي نُسْخَةٍ بِالنَّصْبِ أَيْ: فَيُعَاقِبُ حِينَئِذٍ (اللَّهُ) أَيْ: لَا لِغَرَضٍ آخَرَ (بِهِمْ) .أَيْ بِسَبَبِ تِلْكَ الْحُرْمَةِ ثُمَّ انْتِهَاكُ الْحُرْمَةِ تَنَاوُلُهَا بِمَا لَا يَحِلُّ. يُقَالُ: فُلَانٌ انْتَهَكَ مَحَارِمَ اللَّهِ أَيْ: فَعَلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ فِعْلَهُ عَلَيْهِ.

قَالَ الطِّيبِيُّ: اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ أَيْ: مَا عَاقَبَ أَحَدًا لِخَاصَّةِ نَفْسِهِ بِجِنَايَةٍ جَنَى عَلَيْهِ، بَلْ بِحَقِّ اللَّهِ تَعَالَى إِذَا فَعَلَ شَيْئًا مِنَ الْمُحَرَّمَاتِ امْتِثَالًا لِقَوْلِهِ تَعَالَى: {وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ} [النور:2] .قَالَ الْعَسْقَلَانِيُّ: الْمَعْنَى مَا انْتَقَمَ لِحَاجَةِ نَفْسِهِ، فَلَا يُرَدُّ أَمْرُهُ - صلى الله عليه وسلم - بِقَتْلِ عُقْبَةَ بْنِ أَبِي مُعَيْطٍ وَعَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَطَلٍ وَغَيْرِهِمَا مِمَّنْ كَانَ يُؤْذِي رَسُولَ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - لِأَنَّهُمْ كَانُوا مَعَ ذَلِكَ يَنْتَهِكُونَ حُرُمَاتِ اللَّهِ. وَقِيلَ ذَلِكَ فِي غَيْرِ السَّبِّ الَّذِي يُفْضِي إِلَى الْكُفْرِ، وَقِيلَ: يَخْتَصُّ ذَلِكَ بِالْمَالِ، وَأَمَّا الْعِرْضُ فَقَدِ اقْتَصَّ مِمَّنْ نَالَ مِنْهُ. (مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ) .مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح (9/ 3715)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت