فهرس الكتاب

الصفحة 1611 من 1902

اتَّخَذَ أَهْلُ الكِتَابِ، مِنَ اليَهُودِ وَالنَّصَارَى، كِبَارَ رِجَالِ دِينِهِمْ أَرْبَاباً وَمُشَرِّعِينَ، فَأحَلُّوا لَهُمُ الحَرَامَ، وَحَرَّمُوا عَلَيْهِمُ الْحَلاَلَ، فَاتَّبَعُوهُمْ فِي ذَلِكَ، وَهَذِهِ المُتَابَعَةُ هِيَ المَقْصُودَةُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: {اتخذوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَاباً} ؛وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ للهِ وَلَداً عَبَدُوهُ مَعَ اللهِ، كَعُزَيْرٍ وَالْمَسِيحِ، لاَ إِلهَ غَيْرُ اللهِ، تَنَزَّهَ وَتَقَدَّسَ عَنِ الشِّرْكِ وَالوَلَدْ وَالصَّاحِبَةِ، وَعَنِ النُّظَرَاءَ وَالأَعْوَانِ، وَلاَ رَبَّ سِوَاهُ. وَهُمْ لَمْ يُؤْمَرُوا بِذَلِكَ، وَإِنَّمَا أُمِرُوا بِأَنْ يَعْبُدُوا اللهَ وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ. [1]

هو اتهام جديد لأهل الكتاب، وكشف عن وجه من وجوه الضلال الذي ركبوه، وهو أنهم انقادوا لأحبارهم ورهبانهم، وجعلوا لهم الكلمة فيهم، والعقل المدبّر لهم، فكلمة الأحبار والرهبان لهم، هى الكلمة التي لا معقّب عليها عندهم، حتى لكأنها كلمات الله عند المؤمنين بالله ..

وقد تأول الأحبار والبرهبان كلمات الله، وأخرجوها عن مفهومها الذي لها، إلى المفهوم الذي يرونه .. ومن هنا كان للأحبار والرهبان هذا السلطان المبسوط على أتباعهم، بحيث جعلوا إلى أيديهم أمر هؤلاء الأتباع، فيما هو من صميم العقيدة .. فيغفرون لمن شاءوا من المذنبين، ويحرمون من شاءوا من هذا الغفران .. وقد أدّى ذلك إلى أن أصبح الأحبار والرهبان آلهة يطلب رضاها، ويتقرب إليها بالقربات، حتى تنال منهم المغفرة والرضوان ..

وهذا وضع شبه بالوضع الذي يقوم بين المؤمن وربّه .. ومن هنا كان قوله تعالى: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» مصورا لهذه الحال القائمة بين عامة اليهود والنصارى وبين أحبارهم ورهبانهم، أدقّ تصوير وأئمّة ..

والأحبار: جمع حبر، وهو عالم اليهود، ورجل الدين فيهم .. والرهبان: جمع راهب، وهو عالم المسيحيين، وصاحب الكلمة في معتقدتهم وشريعتهم.

وأما قوله سبحانه: «وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ» فهو معطوف على قوله سبحانه: «اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» أي واتخذوا المسيح ربّا من دون الله .. وفى عطف المسيح بعد الفصل بقوله تعالى «أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ» إشارة إلى أن المسيح في ربوبيته عند أتباعه، يأخذ وضعا خاصا، غير الوضع الذي للأحبار عند اليهود، وللرهبان عند النصارى .. فهؤلاء الأحبار

(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:1267،بترقيم الشاملة آليا)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت