فهرس الكتاب
وَقَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: لِزِيَادَةِ الْبَيَانِ (وَقَالَ:"أَيُّ شَهْرٍ هَذَا؟) :أَرَادَ بِهَذَا الِاسْتِفْهَامِ أَنْ يُقَرِّرَ فِي نُفُوسِهِمْ حُرْمَةَ الشَّهْرِ، وَالْبَلْدَةِ، وَالْيَوْمِ لِيَبْنِيَ عَلَيْهِ مَا أَرَادَهُ (قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ) :رِعَايَةً لِلْأَدَبِ، وَتَحَرُّزًا عَنِ التَّقَدُّمِ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ، وَتَوَقُّفًا فِيمَا لَا يُعْلَمُ الْغَرَضُ مِنَ السُّؤَالِ عَنْهُ (فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ. فَقَالَ: أَلَيْسَ) :أَيْ: هَذَا الشَّهْرُ أَوِ اسْمُهُ (ذَا الْحِجَّةِ) قُلْنَا: بَلَى، قَالَ:"أَيُّ بَلَدٍ هَذَا"قُلْنَا: (اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ، قَالَ) :بِلَا فَاءٍ (أَلَيْسَ) :أَيِ: الْبَلَدُ (الْبَلْدَةَ) :قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: غَلَبَتِ الْبَلْدَةُ عَلَى مَكَّةَ كَالْبَيْتِ عَلَى الْكَعْبَةِ اهـ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: أَيِ: الْبَلْدَةَ الَّتِي تَعْلَمُونَهَا مَكَّةَ، وَقِيلَ: هِيَ اسْمُ مَكَّةَ اهـ."
وَالْأَظْهَرُ: أَنَّ الْمُرَادَ بِالْبَلَدِ الْأَرْضُ بِقَرِينَةِ الْإِشَارَةِ بِهَذَا فِي مِنًى، وَالْبَلْدَةُ وَإِنْ كَانَتِ اسْمَ مَكَّةَ لَكِنْ قَدْ تُطْلَقُ وَيُرَادُ بِهَا أَرْضُ الْحَرَمِ كُلُّهَا مِنْ بَابِ إِطْلَاقِ الْجُزْءِ، وَإِرَادَةِ الْكُلِّ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ - تَعَالَى: {إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} [النمل:91] وَلَا شَكَّ أَنَّ التَّحْرِيمَ يَعُمُّ مَوَاضِعَ الْحَرَمِ كُلَّهَا (وَقُلْنَا: بَلَى. قَالَ:"فَأَيُّ يَوْمٍ هَذَا؟"قُلْنَا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، فَسَكَتَ حَتَّى ظَنَنَّا أَنَّهُ سَيُسَمِّيهِ بِغَيْرِ اسْمِهِ قَالَ:"أَلَيْسَ) :أَيْ: هَذَا الْيَوْمُ (يَوْمَ النَّحْرِ؟) قُلْنَا: (بَلَى) :وَلَعَلَّ فَائِدَةَ السُّؤَالِ عَلَى هَذَا الْمِنْوَالِ مَعَ تَكَرُّرِ الْحَالِ ; لِيَكُونَ أَوْقَعَ فِي الْقَلْبِ، وَأَحْفَظَ فِي النَّفْسِ (قَالَ:"فَإِنَّ دِمَائَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ) :أَيْ: تَعَرُّضَكُمْ لِبَعْضِكُمْ فِي دِمَائِكُمْ، وَأَمْوَالِكُمْ، وَأَعْرَاضِكُمْ: الْعِرْضُ - بِالْكَسْرَةِ - مَوْضِعُ الْمَدْحِ، وَالذَّمِّ مِنَ الْإِنْسَانِ، سَوَاءٌ كَانَ فِي نَفْسِهِ، أَوْ سَلَفِهِ (عَلَيْكُمْ حَرَامٌ) :أَيْ: مُحَرَّمٌ حُرْمَةً شَدِيدَةً (كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا) :وَالْمُشَبَّهُ بِهِ قَدْ لَا يَكُونُ أَقْوَى بَأَنْ يَكُونَ أَشْهَرَ، وَأَظْهَرَ، وَكَانَ كَذَلِكَ سُنَّةُ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ (وَفِي بَلَدِكُمْ هَذَا) :فَالْمَعْصِيَةُ بِهِ عَظِيمَةٌ، كَمَا قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ - رَحِمَهُ اللَّهُ، وَجَمْعٌ مِنْ أَتْبَاعِهِ بِمُضَاعَفَةِ السَّيِّئَاتِ بِمَكَّةَ كَمَا تُضَاعَفُ الْحَسَنَاتُ بِهَا، لَكِنَّ الْمُعْتَمَدَ أَنَّ السَّيِّئَةَ بِهَا تُضَاعَفُ كَيْفِيَّةً لَا كَمِّيَّةً، لِئَلَّا يُخَالِفَ حَصْرَ قَوْلِهِ: {وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا} [الأنعام:160] :وَأَمَّا قَوْلُهُ - تَعَالَى: {وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ} [الحج:25] فَلَا يَصْلُحُ دَلِيلًا لِلتَّعَدُّدِ الَّذِي ادَّعُوهُ، بَلْ لِلْعِظَمِ الَّذِي ذَكَرْتُهُ (فِي شَهْرِكُمْ هَذَا) :إِنَّمَا شَبَّهَهَا فِي الْحُرْمَةِ بِهَذِهِ الْأَشْيَاءِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرَوْنَ اسْتِبَاحَةَ تِلْكَ الْأَشْيَاءِ، وَانْتِهَاكَ