فهرس الكتاب
بَعْدَ أَنْ شَرَحَ الله تَعَالَى حَالَ النَّاسِ يَوْمَ الحَشْرِ، وَبَعْدَ أَنْ أَكَّدَ أَنَّ الحَشْرَ وَالفَزَعَ وَاقِعَانِ يَوْمَ القِيَامَةِ لا مَحَالَةً، قَالَ تَعَالَى: وَمَعَ ذَلِكَ فإِنَّ هُنَاكَ بَعْضَ النَّاسِ يُجَادِلُونَ فِي اللهِ: فِي وُجُودِ اللهِ، وَفِي وحْدَانِيَّتِهِ، وفِي قُدْرَتِهِ عَلَى إِحيَاءِ المَوْتَى .. وَفِي عِلْمِهِ. وَجِدَالُهُمْ هذا بِغَير عِلْمٍ صَحِيحٍ، وَبِدُونِ دَليلٍ وَاضِحٍ، وَهُوَ جِدالٌ نَاتِجٌ عنِ اتِّبَاعِ الشَّيْطَانِ المُتَمَرِّدِ عَلَى رَبِّهِ. [1]
وقال تعالى: {أَلَمْ تَرَ أَنَّا أَرْسَلْنَا الشَّيَاطِينَ عَلَى الْكَافِرِينَ تَؤُزُّهُمْ أَزًّا} [مريم:83] .
أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ سَلَّطَ الشَّيَاطِينَ عَلَى الكَافِرِينَ وَالمُشْرِكِينَ، لِيَغْوُوهُمْ، وَيُغْرُوهُمْ بِارْتِكَابِ المَعَاصِي، وَيَهِيجُوهُمْ لِلْوُقُوعِ فِيهَا؟ [2]
وقال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ خَرَجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بَطَرًا وَرِئَاءَ النَّاسِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَاللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطٌ (47) وَإِذْ زَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ وَقَالَ لَا غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّي جَارٌ لَكُمْ فَلَمَّا تَرَاءَتِ الْفِئَتَانِ نَكَصَ عَلَى عَقِبَيْهِ وَقَالَ إِنِّي بَرِيءٌ مِنْكُمْ إِنِّي أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّي أَخَافُ اللَّهَ وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقَابِ (48) } [الأنفال:47،48] .
وَعَلَيْكُمْ، أَيُّها المُؤْمِنُونَ، أَنْ تَمْتَثِلُوا لِمَا أَمَرَكُمْ بِهِ رَبُّكُمْ مِنْ طَاعَتِهِ تَعَالَى، وَطَاعَةِ رَسُولِهِ الكَرِيمِ - صلى الله عليه وسلم -،وَالتِزَامِ أَوَامِرِهِمَا، وَلاَ تَكُونُوا كَأَعْدَائِكُمْ المُشْرِكِينَ الذِينَ خَرَجُوا مِنْ مَكَّةَ بَطَراً بِمَا أوتُوا مِنَ النَّعْمَةِ، وَمُرَاآةً لِلنَّاسِ لِيُعْجَبُوا بِهِمْ، وَيُثْنُوا عَلَيْهِمْ بِالغِنَى وَالقُوَّةِ وَالشَّجَاعَةِ .. وَهُمْ إِنَّمَا يَقْصِدُونَ بِخُرُوجِهِم الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَمَنْعَ النَّاسِ مِنَ الدُّخُولِ فِي الإِسْلاَمِ، وَالحَدَّ مِنْ انْتِشَارِ الإِسْلاَمِ، وَاللهُ مُحِيطٌ بِأَعْمَالِهِمْ، وَلاَ يَعْزُبُ عَنْ عِلْمِهِ شَيءٌ، وَسَوْفَ يُجَازِيهِمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ.
وَاذْكُرْ يَا مُحَمَّدُ لِقَوْمِكَ إِذْ زَيَّنَ الشَّيْطَانُ لِكُفَّارِ قُرَيْشٍ أَعْمَالَهُمْ بِوَسْوَسَتِهِ، وَإِذْ حَسَّنَ فِي أَعْيُنِهِمْ مَا جَاؤُوا لَهُ، وَمَا هَمُّوا بِهِ، وَأَطْمَعَهُمْ بِأنَّهُمْ مَنْصُورُونَ، وَأَنَّهُمْ لاَ غَالِبَ لَهُمْ مِنَ النَّاسِ، وَطَمْأَنَهُمْ إلَى أَنَّهُمْ لَنْ يُؤْتَوْا فِي دِيَارِهِمْ أَثْنَاءَ غَيْبَتِهِمْ فِي قِتَالِ المُسْلِمِينَ فِي بَدْرٍ، لأَنَّهُ جَارٌ لَهُمْ وَمُجِيرٌ، فَلَمَّا التَقَى المُسْلِمُونَ بِالمُشْرِكِينَ، وَرَأَى الشَّيْطَانُ مَلاَئِكَةَ اللهَ يَحْمُونَ المُسْلِمِينَ، وَلَّى هَارِباً {نَكَصَ على عَقِبَيْهِ} ،وَقَالَ لأَوْلِيَائِهِ مِنَ الكُفَّارِ: إِنَّهُ بَرِيءٌ مِنْهُمْ لأَنَّهُ يَرَى مَا لاَ يَرَوْنَ، إِنَّهَ
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2500،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:2333،بترقيم الشاملة آليا)