فهرس الكتاب
[الشورى:11] دُونَ الصِّفَاتِ الثُّبُوتِيَّةِ لِظُهُورِ وُجُودِهَا فِي خَالِقِ الْأَشْيَاءِ بِالضَّرُورَةِ الْعَقْلِيَّةِ. قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ تَعَالَى: الْمُرَادُ بِالشَّرِّ الْفِتْنَةُ، وَوَهَنُ عُرَى الْإِسْلَامِ، وَاسْتِيلَاءُ الضَّلَالَةِ، وَفُشُوُّ الْبِدْعَةِ، وَالْخَيْرُ عَكْسُهُ، يَدُلُّ عَلَيْهِ مَا نَقَلَهُ الرَّاوِي عَنْهُ.
(قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! إِنَّا كُنَّا فِي جَاهِلِيَّةٍ) أَيْ أَيَّامٍ غَلَبَ فِيهَا الْجَهْلُ بِالتَّوْحِيدِ وَالنُّبُوَّةِ وَمَا يَتْبَعُهُمَا مِنْ سَائِرِ أَحْكَامِ الشَّرِيعَةِ، فَقَوْلُهُ: (وَشَرٍّ) عَطْفٌ تَفْسِيرِيٌّ، أَوِ الْمَعْنِيُّ بِهِ الْكُفْرُ، فَهُوَ تَخْصِيصٌ بَعْدَ تَعْمِيمٍ، (فَجَاءَنَا اللَّهُ بِهَذَا الْخَيْرِ) ،أَيِ الْخَيْرِ الْعَظِيمِ، وَهُوَ الْإِسْلَامُ بِبَرَكَةِ بِعْثَتِكَ، وَمَفْهُومُهُ أَنَّهُ ذَهَبَ بِالشَّرِّ عَنَّا بِهَدْمِ قَوَاعِدِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ ; وَلَعَلَّهُ حَذَفَ وَجَعَلَهُ مِنْ بَابِ الِاكْتِفَاءِ، لَا سِيَّمَا وَهُمَا ضِدَّانِ لَا يَجْتَمِعَانِ، (فَهَلْ بَعْدَ هَذَا الْخَيْرِ) أَيِ: الثَّابِتُ (مِنْ شَرٍّ؟) أَيْ مِنْ حُدُوثِ بَعْضِ شَرٍّ (قَالَ:"نَعَمْ".قُلْتُ: وَهَلْ بَعْدَ ذَلِكَ الشَّرِّ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ:"نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ") بِفَتْحَتَيْنِ، أَيْ: كُدُورَةٌ إِلَى سَوَادٍ، وَالْمُرَادُ أَنْ لَا يَكُونَ خَيْرًا صَفْوًا بَحْتًا، بَلْ يَكُونُ مَشُوبًا بِكُدُورَةٍ وَظُلْمَةٍ، (قُلْتُ: وَمَا دَخَنُهُ؟ قَالَ:"قَوْمٌ يَسْتَنُّونَ") بِتَشْدِيدِ النُّونِ الْأُولَى أَيْ: يَعْتَقِدُونَ ("بِغَيْرِ سُنَّتِي، وَيَهْدُونَ") أَيْ: يَدُلُّونَ النَّاسَ (بِغَيْرِ هَدْيِي) أَيْ: بِغَيْرِ طَرِيقَتِي، وَيَتَّخِذُونَ سِيرَةً غَيْرَ سِيرَتِي ("تَعْرِفُ مِنْهُ وَتُنْكِرُ") قَالَ الْمُظْهِرُ: أَيْ: تَرَى فِيهِمْ مَا تَعْرِفُهُ أَنَّهُ مِنْ دِينِي، وَتَرَى أَيْضًا مَا تُنْكِرُ أَنَّهُ دِينِي، قَالَ الْأَشْرَفُ: يُعْرَفُ مِنْهُمُ الْمُنْكَرُ بِأَنْ يَصْدُرَ الْمُنْكَرُ عَنْهُمْ، وَتُنْكِرُ هُوَ خَبَرٌ بِمَعْنَى الْأَمْرِ، أَيْ: أَنْكِرْ عَلَيْهِمْ صُدُورَ الْمُنْكَرِ عَنْهُمْ.
قَالَ الطِّيبِيُّ - رَحِمَهُ اللَّهُ: الْوَجْهُ الْأَوَّلُ رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ:"نَعَمْ وَفِيهِ دَخَنٌ"أَيْ: تَعْرِفُ فِيهِمُ الْخَيْرَ فَتَقْبَلُ وَالشَّرَّ فَتُنْكِرُ، فَهُوَ مِنَ الْمُقَابَلَةِ الْمَعْنَوِيَّةِ، وَالْوَجْهُ الثَّانِي رَاجِعٌ إِلَى مَعْنَى قَوْلِهِ:"يَسْتَنُّونَ بِغَيْرِ سُنَّتِي"فَالْوَجْهُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْطُوفُ وَالْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ كِلَاهُمَا فِي مَعْنَى الْأَمْرِ، أَيِ: اعْرِفْ مِنْهُمْ ذَلِكَ وَأَنْكِرْ، وَالْخِطَابُ فِي - تَعْرِفُ وَتُنْكِرُ - مِنَ الْخِطَابِ الْعَامِّ. أَقُولُ: وَفِيهِ نَظَرٌ لَا يَخْفَى ; إِذْ لَيْسَ كُلُّ أَحَدٍ لَهُ قَابِلِيَّةُ مَعْرِفَةِ الْمَعْرُوفِ وَإِنْكَارِ الْمُنْكَرِ، فَالْخِطَابُ خَاصٌّ لِحُذَيْفَةَ وَأَمْثَالِهِ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّيَانَةِ. قِيلَ: الْمُرَادُ بِالشَّرِّ الْأَوَّلِ الْفِتَنُ الَّتِي وَقَعَتْ عِنْدَ قَتْلِ عُثْمَانَ - رَضِيَ اللَّهُ تَعَالَى عَنْهُ - وَمَا بَعْدَهُ، وَبِالْخَيْرِ الثَّانِي مَا وَقَعَ فِي خِلَافَةِ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - وَبِالَّذِينَ تَعْرِفُ مِنْهُمْ وَتُنْكِرُ الْأُمَرَاءُ بَعْدَهُ، فَكَانَ فِيهِمْ مَنْ يَتَمَسَّكُ بِالسُّنَّةِ وَالْعَدْلِ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَدْعُو إِلَى الْبِدْعَةِ وَيَعْمَلُ بِالْجَوْرِ، أَوْ وَمِنْهُمْ مَنْ