فهرس الكتاب
فليس من صفات المسلم أن يكون مغفلا جاهلا بما عليه الكفار من الخبث، والمكر الشيطاني والتخطيط الإجرامي، لمحاربة الإسلام وأهله، فإنه في هذه الحالة سوف يفاجأ بعدوانهم، وأساليبهم الملتوية الماكرة التي لم يستعد لمواجهتها، ولم يحترز ويحذر من خطرها، وقَالَ: قَالَ الْمُغِيرَةُ بْنُ شُعْبَةَ - وَوَصَفَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ -؛فَقَالَ: كَانَ وَاللهِ عُمَرُ أَعْقَلَ مِنْ أَنْ يَخْدَعَ، وَأَفْطَنَ مِنْ أَنْ يُخْدَعَ" [1] "
وقال الإمام ابن القيم رحمه الله:""وَالْفرق بَين سَلامَة الْقلب والبله والتغفل أَن سَلامَة الْقلب تكون من عدم إِرَادَة الْبشر بعد مَعْرفَته فَيسلم قلبه من إِرَادَته وقصده لَا من مَعْرفَته وَالْعلم بِهِ وَهَذَا بِخِلَاف البله والغفلة فَإِنَّهَا جهل وَقلة معرفَة وَهَذَا لَا يحمد إِذْ هُوَ نقص وَإِنَّمَا يحمد النَّاس من هُوَ كَذَلِك لسلامتهم مِنْهُ والكمال أَن يكون الْقلب عَارِفًا بتفاصيل الشَّرّ سليما من إِرَادَته قَالَ عمر بن الْخطاب رَضِي الله عَنهُ لست بخب وَلَا يخدعني الخب وَكَانَ عمر أَعقل من أَن يخدع وَأَوْرَع من أَن يخدع وَقَالَ تَعَالَى {يَوْم لَا ينفع مَال وَلَا بنُون إِلَّا من أَتَى الله بقلب سليم} فَهَذَا هُوَ السَّلِيم من الْآفَات الَّتِي تعتري الْقُلُوب الْمَرِيضَة من مرض الشُّبْهَة الَّتِي توجب اتِّبَاع الظَّن وَمرض الشَّهْوَة الَّتِي توجب اتِّبَاع مَا تهوى الْأَنْفس فالقلب السَّلِيم الَّذِي سلم من هَذَا وَهَذَا"" [2]
وَكَمَا يَذُمُّ النَّاسُ أَرْبَابَ الْحِيَلِ فَهُمْ يَذُمُّونَ أَيْضًا الْعَاجِزَ الَّذِي لَا حِيلَةَ عِنْدَهُ لِعَجْزِهِ وَجَهْلِهِ بِطُرُقِ تَحْصِيلِ مَصَالِحِهِ، فَالْأَوَّلُ مَاكِرٌ مُخَادِعٌ، وَالثَّانِي عَاجِزٌ مُفَرِّطٌ، وَالْمَمْدُوحُ غَيْرُهُمَا، وَهُوَ مَنْ لَهُ خِبْرَةٌ بِطُرُقِ الْخَيْرِ وَالشَّرِّ خَفِيِّهَا وَظَاهِرِهَا فَيُحْسِنُ التَّوَصُّلَ إلَى مَقَاصِدِهِ الْمَحْمُودَةِ الَّتِي يُحِبُّهَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ بِأَنْوَاعِ الْحِيَلِ، وَيَعْرِفُ طُرُقَ الشَّرِّ الظَّاهِرَةِ وَالْخَفِيَّةِ الَّتِي يُتَوَصَّلُ بِهَا إلَى خِدَاعِهِ وَالْمَكْرِ بِهِ فَيَحْتَرِزَ مِنْهَا وَلَا يَفْعَلُهَا وَلَا يَدُلُّ عَلَيْهَا، وَهَذِهِ كَانَتْ حَالُ سَادَاتِ الصَّحَابَةِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ -،فَإِنَّهُمْ كَانُوا أَبَرَّ النَّاسِ قُلُوبًا، وَأَعْلَمَ الْخَلْقِ بِطُرُقِ الشَّرِّ وَوُجُوهِ الْخِدَاعِ، وَأَتْقَى لِلَّهِ مِنْ أَنْ يَرْتَكِبُوا مِنْهَا شَيْئًا أَوْ يُدْخِلُوهُ فِي الدِّينِ، كَمَا قَالَ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ:لَسْتُ بِخِبٍّ وَلَا يَخْدَعُنِي الْخِبُّ، وَكَانَ حُذَيْفَةُ أَعْلَمَ النَّاسِ بِالشَّرِّ
(1) - فضائل الصحابة لأحمد بن حنبل (1/ 327) (462) والمجالسة وجواهر العلم (2/ 291) (443) فيه انقطاع
(2) - الروح (ص:243)