فهرس الكتاب
أَمَّا المُنَافِقُونَ فَظَهَرَ نِفَاقُهُمْ، فَقَالَ مُعْتِبُ بْنُ قُشَيْرٍ مَا قَالَ، وَقَالَ ضِعَافُ الإِيمَانِ وَالذِينَ فِي أًنْفُسِهِمْ رِيبَةٌ وَشَكٌ، لِقُرْبِ عَهْدِهِمْ بالإِسْلامِ - {الذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} : {مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلاَّ غُرُوراً} ،أَيْ لَمْ يكَنْ مَا وَعَدَنا بِهِ اللهُ مِنَ النَّصْرِ وَالظَّفِرِ بِالعَدُوِّ إِلا وَعْداً يَغُرُّنَا وَيَخْدَعُنا. [1]
فهذه حال من تلك الأحوال التي عرضت للمسلمين يومئذ، وهى أن المنافقين ومن في قلوبهم مرض من المؤمنين، قد كانوا من الذين ظنوا بالله ظن السوء .. فكان قولهم في مواجهة هذا الابتلاء، هو الكفر الصريح: «ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً» .. أي أكاذيب وأباطيل، وأمانىّ من من الخداع، والتغرير .. وهكذا تكشف الشدائد والمحن عن معادن الناس، وعن مطويات الضمائر، وما تخفى الصدور .. [2]
أي وحين قال المنافقون كمعتّب بن قشير، والذين في قلوبهم ضعف في الإيمان لقرب عهدهم بالإسلام: ما وعدنا الله ورسوله من الظفر والنصر على العدو إلا وعدا باطلا بغرّنا به ويوقعنا فيما لا طاقة لنا به، ويسلخنا عن دين آبائنا، ويقول: إن هذا الدين سيظهر على الدين كله، وإنه سيفتح لنا فارس والروم، وها نحن أولاء قد حصرنا هاهنا حتى ما يستطيع أحدنا أن يبرز لحاجته. [3]
فقد وجد هؤلاء في الكرب المزلزل، والشدة الآخذة بالخناق فرصة للكشف عن خبيثة نفوسهم وهم آمنون من أن يلومهم أحد وفرصة للتوهين والتخذيل وبث الشك والريبة في وعد الله ووعد رسوله، وهم مطمئنون أن يأخذهم أحد بما يقولون. فالواقع بظاهره يصدقهم في التوهين والتشكيك. وهم مع هذا منطقيون مع أنفسهم ومشاعرهم فالهول قد أزاح عنهم ذلك الستار الرقيق من التجمل، وروع نفوسهم ترويعا لا يثبت له إيمانهم المهلهل! فجهروا بحقيقة ما يشعرون غير مبقين ولا متجملين! ومثل هؤلاء المنافقين والمرجفين قائمون في كل جماعة وموقفهم في الشدة هو موقف إخوانهم هؤلاء.
(1) - أيسر التفاسير لأسعد حومد (ص:3426،بترقيم الشاملة آليا)
(2) - التفسير القرآني للقرآن (11/ 664)
(3) - تفسير المراغي (21/ 141)